أصوات غيبها الضجيج

بقلم : الزهرة حمودان
المساء يختال في ضياء صيفي، يقاوم توهجُه حمرةَ غروبٍ زاحف. الدجاجة المرقطة ذات العنق الطويل، منهمكة في نقر حرش تسكنه زهرة الجهمنية العنيدة..ثلاثي عنيد يتعايش؛ الدجاجة التي هدَّ الاسفلت خمَّها، والنبتة العصامية، ومساء الصيف. شرارات حياة الطبيعة في زمن اليباب.
هكذا تقاوم الطبيعة بوادلاو مواتَها. تستولد قوة وجودها من أمها الأرض؛ كائنات قزمية من بقايا ما أكل سبع الإسمنت. تستنفر ما توارى داخل تربتها من جذور أعشاب، وديدان، ليقتات عليه الحيوان والطير. مُزَقٌ من بقع طينية، تلوذ بهويتها الأرضية، تحتمي بها عناصر من الطبيعة؛ كائنات تنهل الحياة من أثداء الأرض، فيعاد رتق ما مزقه الإسمنت والإسفلت.
اللبلاب المتطفل يتيم النخلة وقصب الأسيجة، منبطح فوق الثرى ، يمتص ما  تختزنه البقعة مما جادت به بركات الشتاء، مانحا بذلك  للبقعة السمراء فسحة أخرى للعيش، والحلم  بعودة حضن أمها الطبيعة. وكأني بالشاعر ينطق بلسان حالها وهو يقول:
ويعود ما كانت عليه
التربة السمراء في بدء الخليقة
بكرا لأول مرة تشهى.
يستمراللبلاب في تمدده، كأنه هو الآخر يخاطبها قائلا:
–  تقاومين الموات وكأن الطل فيك ماغادر، وكأن جذور الأرض  فيك ما زالت تحفر أخاديد الحياة في الأنفاق، عساها يوما تنهض كالعنقاء لتعانق الشمس، وتشرب نخب غيث لن يغيب.
***
النافذتان المعلقتان على أحد أضلع بيتي، تتعايش مع أنفاس إحدى تلك الكائنات؛ بقعة أرض بور عجفاء، غاب عنها غيث الوادي، وكرم البيدر.. تحن إلى دفء الشتاء، ونسائم الربيع.. تحتضن أكوام الحشائش صرخةَ مكتومة من جوف الأرض..وتسند وجودها، بترتيب أيامها المتبقية، إلى حين أن يبتلعها التمدن بتناقضه الضاج.
تفور الحياة بالبقعة الحرشاء، ولم يعد لها من حيا ة الريف…سوى تأوهات الريح بين الحشائش، وأصوات تائهة تتناوب على أنسها بين النهار والليل، وصمود تواجه به الملمات الصعاب.
اتخذتْ حائط بيتي متكأ.ً تجاورتْ مع الحجرة المهمشة ببيتي، حيث يركن فيها ما فاض عن احتياجاته من أدوات التنظيم والتنميق والتنضيد. غير أن هوىً خفي كان يعتريني، كلما ولجت هذا الركن من البيت..كانت نافذتاه المطلتان على بقعة الأرض اليتيمة، تتربعان على كامل الجزء العلوي من الحائط المطل عليها، مما يكثف كمية الضياء والهواء بالحجرة.
بعد لأي اكتشفت أن هذا الحيز القصي من البيت، ما هو إلا رئته التي تستمد أوكسجينهَا من جارته. فكان أن قررت تحويله إلى ملاذٍ لي، فيه مكتبي، وفيه مجلسي، ومحل استرواحي واسترخائي.
لم تبخل علي ابنة الحياة، ونبع العطاء من خيراتها؛ فمن ثرثرة الطيور البرية صباحا إلى عازفة الليل السيدة السيكادا؛ الصوت المميز للطبيعة،  التي يقول عنه المختصون البيولوجيون، ” إنها من الأصوات العظيمة للطبيعة، وأنها تصدر ضوضاء مبهجة، ومبهمة، وصاخبة للغاية”، وبالفعل هكذا كانت وهي تؤنس ليلي. وما بينهما أصوات الطبيعة الناطقة، ورسائلها إلي؛ تبعث لي ، من خلالها، مستجدات أنشطتها. تخبرني الدجاجة عندما تضع بيضتها اليومية، وهي ترفع عقيرتها منقنقة. ويخرجني من رتابة تفكيري، صوت كلب عابر، تحية منه للبقعة المباركة وهي تفتح أحضانها للشمس والعشب.. وللقطط  التي ترتع في مناكبها.البقعة تمارس حياتها بالفعل وكأن لا إسفلت قادم لمداهمتها، ولا إسمنت يرتفع لحجب الشمس عنها. ولا بورصة في سوق العقار تهدد وجودها في حضن أمها الطبيعة.
سعدتُ بجيرة البقعة الصامدة، فأرسلتْ لي زهرة دفلى وردية، آنست نافذتي وزانتها.
كعادتي في مقاسمة بناتي كل ما يسعدني؛ بدأت أحكي لهن عن فرحتي بحجرتي، وعن الضياء الذي يغمرني كلما أويت إليها، فإذا بصغيرتي تقاطعني، والخجل يغمر صوتها :
ماما، لا أدري ما جعلك تبذلين كل هذا الجهد في تلك الحجرة؟ ألا يزعجك صوت الحمار وهو ينهق بالجوار؟.
أخذني سؤال ابنتي إلى مناطق أكثر تشعبا وأبعادا، غير أني اكتفيت بإجابتها أن صوت الحمارالمزعج قد يكون هو الصوت القوي الذي يحذرنا من تسرب ماء الحياة الطبيعية من بين أيدينا، ونحن غارقين في تمدن ينقصه التوازن البيئي، والكثير الكثير من شروط الوعي والثقافة.
يقول أحد شعراء المهجر اللبناني الأصل إيليا أبو ماضي:
أنت لا تأكل النضار إذا جعت
ولا تشرب الجمان المنضد.

 
 

  • تم نسخ الرابط

مقالات ذات صلة

تعليقات ( 0 )

اكتب تعليق او تعقيب

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.