سكينة بنجلون: كيف تحولت سيدة أغلى طلاق من مؤثرة إلى متأثرة

0

بقلم محمد الغياط 

إشكالية الخلط بين الخاص والعام في زمن المنصات الرقمية TIKTO
نموذج قضية أغلى طلاق في المغرب

“س × ب ” التي وُصفت إعلاميًا بـ”صاحبة أغلى طلاق”، إلى مادة دسمة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اختلط الخاص بالعام، والعاطفة بالقانون، والتمثيل بالواقع.
ولم تعد القضية مجرد خلاف زوجي، بل أصبحت نموذجًا لإشكالية أعمق يعيشها مجتمع المنصات:
●اولا : سؤال أين تنتهي الحياة الخاصة وأين تبدأ الحياة العامة؟
تُظهر الوقائع أن العلاقة الزوجية عرفت توترات متراكمة، كان من أبرز مظاهرها توظيف الضغط العاطفي وتحول بعد ذلك إلى مايشبه الابتزاز العاطفي داخل العلاقة. غير أن هذا النمط من التفاعل، الذي قد يستمر فترة بدافع التفاهم أو المجاملة، يصل أحيانًا إلى لحظة فاصلة؛ لحظة يقول فيها أحد الطرفين “لا”. هنا تتغير موازين العلاقة، وهذا ما قاله الزوج واكده بقرار الطلاق ثم بعد ذلك بشكاية ضد التشهير …
ودعوة قضائية انتهت بحكم السجن ضد السيدة من هنا يبدأ الانتقال من منطق العاطفة إلى منطق القرار.
المثل المغربي يقول: “إذا كان صاحبك عسل فلا تلعقه كامل”، وهو مثل يلخص فلسفة الاعتدال في العلاقات. فالإفراط، مهما كان مصدره، يؤدي غالبًا إلى الانفجار. وهكذا تحوّل الخلاف حول طلب مادي إلى نقطة انهيار كشفت تراكمات أعمق من مجرد خلاف عابر.
لكن التحول الأخطر لم يكن في قرار الطلاق ذاته، بل في انتقال القضية إلى الفضاء الرقمي. هنا برز سؤال التأثير: هل كانت السيدة “س x ب ” مؤثرة فعلاً، أم أنها أصبحت متأثرة بقوة المنصة وجمهورها؟
لقد اختارت اللجوء إلى تطبيق TikTok كمساحة لإعادة تقديم ذاتها. المنصة منحتها صوتًا، جمهورًا، وتعاطفًا في بعض اللحظات.ومنحتها شهرة وادوار جديدة في الحياة ومنحتها مكسبا ماليا ومدخولا مهما . غير أن هذا الانفتاح الرقمي حمل معه مخاطره: كشف تفاصيل الحياة الخاصة، إعادة سرد الخلافات أمام جمهور واسع، وتحويل قضية أسرية إلى رأي عام.وسقطت في المحظور
في علم الاجتماع الرقمي، تتحول المنصة أحيانًا من أداة تعبير إلى فضاء يعيد تشكيل وعي المستخدم نفسه.او لاوعي حيث تبرز اشياء من اللاشعور يدفعها العقل الباطني …
يبدأ الشخص بالتأثير، ثم يجد نفسه متأثرًا بردود الفعل، بالتعليقات، بعدد المشاهدات، وبإيقاع التفاعل. وهنا يصبح الخط الفاصل بين الحرية والتشهير، بين التعبير والمسؤولية، خطًا هشًا.
اللجوء إلى القضاء أعاد القضية من فضاء العاطفة الرقمية إلى فضاء القانون. والتجربة التي مرت بها السيدة س Xب بعد ذلك شكّلت محطة قاسية في مسارها الشخصي؛ تجربة جعلتها تعيد النظر في مفاهيم الحرية، العزلة، السمعة، والدعم الاجتماعي.بعد أن عاشت في السجن وادركت الفرق بين النعيم والحرمان…
مأساة إنسانية جديرة بالدراسة والاهتمام والعبرة فالمنصات قد تمنح تضامنًا افتراضيًا، لكنها لا تعوض سندًا حقيقيًا وقت الأزمات.وقد ينقلب السحر على الساحر ..
غير أن العودة مجددًا إلى النقاش الإعلامي حول نفس القضية تطرح تساؤلاً آخر: هل أصبح الظهور حاجة نفسية واجتماعية؟ أم أن الرغبة في تصحيح الصورة تدفع إلى إعادة فتح الجراح؟
القصة في جوهرها ليست حكاية طلاق بقدر ما هي مرآة لتحولات مجتمع يعيش عصر “الاستعراض الرقمي”، حيث تتحول الحياة الخاصة إلى محتوى، والمشاعر إلى مادة قابلة للمشاهدة والتعليق. إنها دعوة لإعادة التفكير في ثقافة نشر الغسيل الأسري على العلن، وفي مسؤولية الأفراد عن حماية حدودهم الشخصية.
والى تدخل التشريع والقانون لحماية الناس من بعضهم البعض وتحديد مسؤلية مواقع الإعلام والصحافة لحماية المجتمع .
●ثانيا :تحولات الهوية والسلطة العاطفية في عصر التحولات الرقمية :
1 . تحليل التحولات النفسية والسلوكية المرتبطة بانتقال الصراع الأسري من المجال الخاص إلى الفضاء الرقمي، من خلال اتخاذ حالة “س × ب ” كنموذج تحليلي. يعتمد البحث على مقاربات التحليل النفسي، ونظرية الابتزاز العاطفي كما صاغتها عالمة النفس الأمريكية Susan Forward، ونظرية التعلّق لدى John Bowlby. وتخلص الدراسة إلى أن المنصات الرقمية – مثل TikTok – قد تتحول من وسيلة للتعبير إلى فضاء لإعادة تشكيل الهوية، حيث يتداخل الاحتياج النفسي للاعتراف مع ديناميات العرض الجماهيري، مما يعقّد الحدود بين الخاص والعام.
لقد أدى التحول الرقمي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، حيث لم تعد التجارب الشخصية حبيسة المجال الأسري، بل أصبحت قابلة للتحول إلى محتوى جماهيري. ويطرح هذا التحول سؤالًا محوريًا: كيف تؤثر البنية النفسية للفرد في طريقة تمثيله لذاته داخل الفضاء الرقمي؟
تعتمد هذه الدراسة على تحليل نوعي لحالة”س.x ب” بوصفها نموذجًا يُبرز تداخل البعد النفسي بالبعد الإعلامي.
2. الابتزاز العاطفي كآلية تفاعلية
تعرّف Forward (1997) الابتزاز العاطفي بأنه نمط تواصلي يعتمد على إثارة الخوف أو الشعور بالذنب أو الالتزام لإجبار الطرف الآخر على الامتثال. وتُعرف هذه الدينامية بثلاثية:
(الخوف)
(الالتزام)
(الذنب)
في الحالة المدروسة، يمكن قراءة بعض أنماط التفاعل داخل العلاقة الزوجية في ضوء هذا الإطار النظري؛ حيث يتكرس سلوك ضاغط قائم على افتراض استمرارية الاستجابة. وعندما يُواجَه هذا النمط بحدّ صريح (رفض الطلب)، يحدث تصدع في البنية التفاعلية، ينتج عنه انتقال من منطق النفوذ العاطفي إلى منطق الصراع الواقعي.
3. نظرية التعلّق وإعادة تمثيل الخوف من الفقد
يرى Bowlby (1969) أن أنماط التعلّق المبكرة تؤثر في كيفية إدارة الفرد لعلاقاته الراشدة.
ويُميز بين أنماط عدة، من بينها التعلّق القلق، الذي يتميز بالحساسية المفرطة تجاه الرفض والخوف من الهجر.
ضمن هذا الإطار، يمكن تفسير التصعيد الانفعالي بوصفه محاولة دفاعية لاستعادة الشعور بالأمان. فالرفض لا يُفهم فقط كقرار ظرفي، بل قد يُدرك كتهديد للهوية العاطفية ذاتها.
4. التحليل النفسي: من الأنا الخاصة إلى الأنا الرقمية
من منظور التحليل النفسي، تمثل المنصة الرقمية امتدادًا رمزيًا لـ “الأنا”، حيث يصبح الجمهور مرآة تعكس صورة الذات. وعند فقدان الاعتراف داخل المجال الخاص، قد يلجأ الفرد إلى تعويضه في المجال العام عبر ما يُعرف بآلية التعويض عند فرويد (Freud, 1923).
غير أن هذا التعويض يحمل مفارقة:
فالظهور يمنح اعترافًا سريعًا، لكنه يضاعف أيضًا التعرض للنقد والمساءلة القانونية والاجتماعية. وهنا يحدث صدام بين “مبدأ اللذة” و”مبدأ الواقع”، أي بين الرغبة في التعبير غير المقيد، وحدود المسؤولية القانونية.
5. حول فرضية الاضطراب ثنائي القطب
يُعد الاضطراب ثنائي القطب اضطرابًا مزاجيًا يتميز بنوبات هوس أو شبه هوس تعقبها نوبات اكتئاب واضحة …
بعض السلوكيات العلنية – مثل الاندفاع أو تضخم تقدير الذات – قد تتشابه ظاهريًا مع سمات الهوس، غير أن التشخيص الإكلينيكي يتطلب تقييمًا سريريًا دقيقًا ومتابعة زمنية.
وعليه، فإن أي قراءة للحالة يجب أن تبقى في إطار التحليل السلوكي الظاهري، دون الجزم بوجود اضطراب مرضي.
6. من المؤثرة إلى المتأثرة: جدلية القوة والضعف
تكشف الحالة عن مفارقة مركزية:
الفرد الذي يدخل الفضاء الرقمي باعتباره فاعلًا مؤثرًا، قد يتحول تدريجيًا إلى متأثر بردود الفعل الجماهيري والذكاء الاصطناعي ..
هذه الجدلية تعكس تحوّل السلطة من الداخل (التحكم في السرد) إلى الخارج (التحكم عبر التفاعل الجماهيري). وهو ما يجعل الهوية الرقمية هشّة، وقابلة للتضخم ثم الانكماش.
وفي الختام تُظهر دراسة حالة “س ب ” أن الصراع الأسري عندما يُنقل إلى المجال الرقمي، يتحول من أزمة خاصة إلى مسرح رمزي تتقاطع فيه:
ديناميات التعلّق
آليات الضغط العاطفي
الحاجة إلى الاعتراف
منطق المنصة القائم على العرض والتفاعل
وتؤكد هذه القراءة ضرورة تعزيز الوعي النفسي والرقمي، وإعادة الاعتبار لحدود الحياة الخاصة في عصر الإعلام الرقمي التشاركي والذكاء الاجتماعي …
☆بقلم : محمد الغياط باحث في علوم التربية تخصص علم النفس التربوي
● قائمة المراجع (APA)
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). Washington, DC: Author.
Bowlby, J. (1969). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment. New York: Basic Books.
Forward, S. (1997). Emotional blackmail: When the people in your life use fear, obligation, and guilt to manipulate you. New York: HarperCollins.
Freud, S. (1923). The ego and the id. Vienna: International Psychoanalytic Press.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.