بلا رتوش الحلقة 30/5: حكومة تصفية الحسابات كلها ينش على كبالتو

0

الكارح ابو سالم

ما نعيشه اليوم ليس مجرد اهتزاز عابر داخل الأغلبية الحكومية، بل صورة مكثفة لاختلال أعمق في مفهوم التحالف ذاته. لقد تحولت الأغلبية إلى ما يشبه لوحة مفككة، يحتفظ كل حزب فيها بإطاره الخاص، بينما تآكل الإطار الجامع الذي كان يفترض أن يمنحها معنى الانسجام والمسؤولية المشتركة. لم يعد الأمر يتعلق باختلاف في وجهات النظر، بل بتسابق معلن نحو اقتناص هفوات الشريك، وكأننا أمام معارضة داخلية لا أمام تحالف يقود السلطة التنفيذية.

 

رئيس الحكومة، الذي يفترض أن يكون مركز الثقل السياسي، فقد عملياً أحد أهم مصادر قوته الرمزية والتنظيمية، بعدما لم يعد يقود التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي تصدر انتخابات 2021. حين يفقد رئيس الحكومة رئاسة حزبه، فإن الأمر لا يُختزل في تغيير تنظيمي داخلي، بل ينعكس مباشرة على تماسك القيادة وعلى قدرته في ضبط إيقاع الأغلبية. يصبح رئيساً للحكومة بلا سند حزبي صلب، وبلا قدرة واضحة على جمع شتات الحلفاء. هكذا يتحول من قائد سياسي إلى مدبر إداري، ومن زعيم أغلبية إلى منسق ظرفي.

 

في المقابل، ينشغل شريكا التحالف حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال ، بترتيب أوراقهما مبكراً لمعركة 2026. الخطاب لم يعد خطاب إنجاز حكومي مشترك، بل خطاب تمايز وانتقاء، يحرص فيه كل طرف على إبراز بصمته الخاصة، والتنصل الضمني من كلفة القرارات غير الشعبية. هكذا تُدار الحكومة بعقل انتخابي لا بعقل سياسي، ويصبح كل وزير ناطقاً باسم طموحه الحزبي أكثر من كونه عضواً في فريق متضامن.

النتيجة أن الأغلبية لم تعد أغلبية بالمعنى السياسي، بل تحالفاً شكلياً يشتغل بمنطق “كلٌ واحد كينش على كبالتو”، في صورة تعكس هشاشة غير مسبوقة. ومع تزايد التجاذبات، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام حكومة بكامل صلاحياتها، أم أمام وضع رمادي أقرب إلى تصريف الأعمال غير المعلن؟ المفارقة أن الحديث عن “تصريف الأعمال” يثير الحساسية، لكن الوقائع على الأرض توحي بأن روح المبادرة السياسية تراجعت، وحل محلها تدبير يومي حذر، يفتقد النفس الإصلاحي الواضح.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص بين الأحزاب. فحين تستثمر حكومة منهكة موقعها المؤسساتي في الترويج لنفسها، بينما تنشغل أحزابها بالتموقع الانتخابي، فإن الحدود بين العمل الحكومي والحملة المسبقة تصبح ملتبسة. الديمقراطية لا تقوم فقط على صناديق الاقتراع، بل على وضوح القواعد وعلى حياد المجال المؤسساتي عن الحسابات الضيقة.

المشهد العام يوحي ببلد يسير نحو نهاية الولاية بروح من الانتظارية الثقيلة. لا صدامات كبرى، ولا انفجارات سياسية، بل برودة مربكة، وصمت أكثر إزعاجاً من الضجيج. المعارضة بدورها لم تنجح في تحويل هذا الارتباك إلى بديل مقنع، رغم محاولات حزب العدالة والتنمية استعادة بعض حضوره الرمزي. وهكذا نجد أنفسنا أمام فراغ مزدوج: أغلبية متعبة ومعارضة غير قادرة على ملء المساحة و وسط هذا كله، يظل المواطن هو المتفرج القلق. بطالة تتجاوز 13 في المائة، أسعار تواصل الارتفاع، تسجيل انتخابي باهت، ومزاج عام يميل إلى الانسحاب الصامت. أخطر ما في اللحظة ليس الغضب، بل اللامبالاة. حين ينسحب الناس بهدوء من الفعل السياسي، فإن الرسالة تكون أبلغ من أي احتجاج صاخب.،هنا لسنا أمام أزمة دستورية، ولا أمام انهيار مؤسساتي، لكننا أمام ارتباك سياسي واضح، يحتاج إلى شجاعة في الاعتراف قبل البحث عن المخارج. إما أن تُستعاد روح التحالف بمعناها الحقيقي، تضامناً ومسؤولية، وإما أن يُصارح الرأي العام بحقيقة المرحلة، وأن تُدار بما يضمن النزاهة وتكافؤ الفرص إلى حين تجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع. وما يخشاه كثيرون اليوم ليس صخب السياسة، بل هذا الصمت الذي يلفها، ويجعل الغموض أثقل من اي ازمة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.