بقلم: محمد الغياط
منذ اعتماد نظام التوقيت الصيفي الدائم (GMT+1) سنة 2018، باستثناء العودة المؤقتة إلى التوقيت القانوني خلال شهر رمضان، لا يزال موضوع الساعة الإضافية في المغرب يثير نقاشًا عموميًا يتجدد كل عام. وبين من يعتبر القرار خيارًا اقتصاديًا استراتيجيًا، ومن يراه عبئًا صحيًا واجتماعيًا، يظل السؤال مطروحًا: هل يتعلق الأمر بمسألة تقنية محضة، أم بتحول يمس بنية الحياة اليومية للمغاربة؟
● الإيقاع البيولوجي في قلب النقاش
تشير أدبيات علم النوم والبيولوجيا العصبية إلى أن الإنسان يخضع لما يسمى الإيقاع اليومي (Circadian Rhythm)، وهو نظام داخلي ينظم النوم واليقظة وإفراز الهرمونات وفق دورة الضوء والظلام.
دراسة منشورة في مجلة Current Biology (2014) خلصت إلى أن الانتقال إلى التوقيت الصيفي يرتبط باضطراب مؤقت في النوم وارتفاع طفيف في مؤشرات الإجهاد القلبي خلال الأيام الأولى للتغيير. كما بينت أبحاث نُشرت في Journal of Clinical Sleep Medicine أن تغيير الساعة، ولو بمدة ساعة واحدة، قد يؤدي إلى انخفاض في جودة النوم وارتفاع نسب الإرهاق الصباحي.
هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود خطر دائم، لكنها تؤكد أن الساعة القانونية ليست عنصرًا محايدًا؛ بل تتفاعل مع البنية الفيزيولوجية للإنسان.
●تجارب دوليةفي هذا الموضوع :
في السنوات الأخيرة، عرف النقاش حول التوقيت الصيفي تحولًا في عدة دول. فقد أجرى الاتحاد الأوروبي سنة 2018 استشارة عامة أظهرت أن غالبية المشاركين يفضلون إلغاء التغيير الموسمي للساعة واعتماد توقيت ثابت.
كما أعلنت روسيا سنة 2014 تثبيت التوقيت الشتوي بعد تجربة التوقيت الصيفي الدائم، بدعوى مراعاة الصحة العامة. وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تشهد نقاشًا تشريعيًا حول جعل التوقيت الصيفي دائمًا، وسط انقسام علمي واجتماعي.
هذه التجارب تعكس أن المسألة ليست تقنية فقط، بل ترتبط بتوازن دقيق بين الاعتبارات الاقتصادية والصحية.
●المبررات الاقتصادية في السياق المغربي
تدافع الجهات الرسمية في المغرب عن اعتماد GMT+1 بكونه يعزز التقارب الزمني مع الشركاء الاقتصاديين، خصوصًا في أوروبا، ويساهم في ترشيد استهلاك الطاقة عبر الاستفادة من ضوء النهار مساءً.
بعض الدراسات الاقتصادية الدولية تشير إلى أن مكاسب الطاقة موجودة لكنها محدودة نسبيًا، فيما تظل مكاسب التنسيق التجاري واللوجستي أكثر حضورًا في الخطاب المؤيد للساعة الإضافية.
●المدرسة والأسرة: الأثر الاجتماعي اليومي
في المقابل، يثير التوقيت المعتمد تساؤلات اجتماعية، خاصة في فصل الشتاء حين يبدأ التلاميذ يومهم الدراسي في الظلام. وتشير أبحاث في علم النفس التربوي إلى أن نقص النوم يؤثر مباشرة في التركيز والتحصيل الدراسي، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين الذين تكون ساعات نومهم البيولوجية مائلة بطبيعتها إلى الاستيقاظ المتأخر.
كما يتأثر العالم القروي، حيث يرتبط النشاط اليومي بدورة الشمس أكثر من ارتباطه بالساعة القانونية، ما يخلق فجوة بين الزمن الطبيعي والزمن الإداري.
●رمضان: خصوصية مغربية زمنية وروحية
يتميز النموذج المغربي بخصوصية تعديل الساعة خلال شهر رمضان، عبر العودة المؤقتة إلى التوقيت القانوني (GMT)، ثم الرجوع إلى GMT+1 بعد انتهائه. ويهدف هذا الإجراء إلى تخفيف الضغط الزمني على الصائمين، خاصة في ما يتعلق بأوقات العمل والإفطار.
غير أن الدراسات المتعلقة بتأثير التغيرات الزمنية المتكررة تشير إلى أن تعدد الانتقالات في فترة قصيرة قد يزيد من اضطراب النوم. وهنا تتقاطع الاعتبارات البيولوجية مع الخصوصية الدينية والاجتماعية، حيث يعيش المغاربة في رمضان نمطًا يوميًا مختلفًا قائمًا على السهر والعبادات والعمل، ما يجعل أي تعديل زمني أكثر حساسية.
●بين القبول والرفض:
الحاجة إلى بحث وطني علمي في الموضوع
الملاحظ أن النقاش في المغرب ظل في معظمه سياسيًا أو شعبيًا، في حين تبقى الحاجة قائمة إلى دراسات وطنية معمقة تقيس أثر الساعة الإضافية على:
1جودة النوم
2الأداء المدرسي
3الحوادث المرورية
4الإنتاجية المهنية
5الرضا الاجتماعي العام
فالقرار الزمني ليس مجرد تعديل تقني، بل هو تدخل في إيقاع الحياة اليومية، بما يحمله من آثار نفسية وثقافية واقتصادية.
وختاما يتبين انه تكشف التجربة المغربية، في ضوء الدراسات الدولية، أن الساعة الإضافية خيار له منطقه الاقتصادي، لكنه ليس بلا كلفة اجتماعية وصحية. وبين من يرى فيها ضرورة للتحديث والتكامل الاقتصادي، ومن يعتبرها عبئًا على الحياة اليومية، يبقى الحل الأمثل رهينًا بتقييم علمي وطني متجدد يوازن بين مؤشرات الاقتصاد وجودة حياة المواطن.—
