بقلم: محمد الغياط
في كل مرة يحتضن فيها المغرب تظاهرة دولية—سواء كانت ثقافية أو رياضية نستشهد بتظاهرة كأس إفريقيا للأمم في كرة القدم 2025، تعود إلى الواجهة صورة راسخة في الوعي الجمعي
“المغربي المضياف.” صورة تتكرر في شهادات الزوار، في انطباعات السياح، وفي تقارير إعلامية دولية.
لكن خلف هذه الصورة المضيئة يبرز سؤال مشروع:
هل يُعامل المغربي في الخارج بالأسلوب نفسه الذي يعامل به الآخر في بلده؟
هذا السؤال ليس دعوة للمقارنة السطحية أو للمفاضلة الأخلاقية بين الشعوب، بل مدخل لتحليل اجتماعي أعمق يتعلق بالهوية، والتمثلات، والعدالة الرمزية في العلاقات بين الثقافات.
اولا : في الداخل الضيافة كجزء من الهوية.
في المغرب، لا تُفهم الضيافة باعتبارها سلوكاً بروتوكولياً فحسب، بل قيمة اجتماعية متجذرة. استقبال الضيف بالشاي، مساعدته في الطريق، التباسط معه في الحديث إن كان لا يتقن اللغة.—كلها ممارسات يومية تعكس تصوراً ثقافياً يرى في “الآخر” فرصة للتعارف لا تهديداً للهوية.
خلال التظاهرات الكبرى، يتضاعف هذا الشعور. فالمواطن يدرك أنه لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل بلده.
يتحول حسن المعاملة إلى شكل من أشكال “الدبلوماسية الشعبية”،أو “الدبلوماسية الناعمة “حيث يسعى الأفراد إلى تقديم صورة إيجابية عن وطنهم أمام العالم، كما لاحظنا في عدة تظاهرات قارية ودولية احتضنها المغرب ..وهذا يؤكد
” قيم تمغربيت ”
حتى في الحالات التي تقع فيها احتكاكات أو سلوكات فردية غير لائقة من بعض الزوار، يميل الخطاب العام إلى الفصل بين الفعل وصاحبه، دون تعميم أو شيطنة جماعية. وقد لا حظنا وتتبعنا ما وقع في مقابلة نهاية كأس أفريقيا كان 2025بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط حينما زاغت فئة من جماهير المنتخب السينغالي عن المدرجات وتشابكت مع حراس الأمن بتلك الوحشين والعنف والعدوانية ، لم نشاهد ردة فعل من الجمهور المغربي الذي كان يتجاوز أربعين الف متفرج وكذلك الشان بعد نهاية المقابلة ضياع اللقب في ظروف غريبة ..
هنا تظهر قوة النسق القيمي الذي يُغَلِّب صورة المجتمع على رد الفعل الانفعالي.
ثانيا : في الخارج: المغربي بين الترحيب والتمثلات المسبقة:
عندما يسافر المغربي إلى الخارج—طالباً، سائحاً، عاملاً رياضيا أو باحثاً—يدخل فضاءً تحكمه تمثلات اجتماعية قد تكون إيجابية أو سلبية. في بعض البلدان المنفتحة والمتعددة الثقافات، يندمج بسهولة ويحظى بالاحترام الكامل باعتباره فرداً مستقلاً.
لكن في سياقات أخرى، قد يُنظر إليه من خلال صور نمطية جاهزة: مهاجر اقتصادي، أو قادم من الجنوب، أو حامل لهوية “مختلفة”. هنا لا يكون الحكم على الشخص بقدر ما يكون على خلفيته الثقافية. ويصبح المغربي مطالباً بإثبات ذاته، لا باعتباره ضيفاً مكرماً، بل باعتباره وافداً ينبغي أن يبرر حضوره.
وفي النشاط الرياضي وخاصة في ملاعب كرة القدم في تظاهرات في افريقيا بالضبط وفي بعض الدول العربية يحدث الخلل وعدم التوازن وتحضر الحساسيات وسلوكيات غربية اتجاه المغربي ..
مرارا لاحظنا ردود فعل سلبية اتجاه مشجعين مغاربة أو فرق رياضية مغربية في ملاعب افريقية مثل “ماوقع في الجزائر في بطولة الشبان لكرة القدم ” وما وقع في دولة مصر في القاهرة من أحداث خلال مقابلة الجيش الملكي ضد الاهلي المصري يوم الأحد 15\2\2026 في اطار اقصائيات بطولة إفريقيا للفرق البطلة ، حيث ثم رشق الجمهور الأهلاوي بقنينات للاعبي ومسيري وجمهور فريق الجيش الملكي ، وتحولت رقعة الملعب وبعض المدرجات إلى مشاهد و صور سلبية لاتليق لا بالروح الرياضية ولا بالتنافس الشريف ولا بؤاصر الصداقة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين المصري والمغربي ولا تنم إلى الصداقة الرياضية والروح الرياضية بأية صلة .
☆هذه المفارقة تطرح سؤالاً نفسياً عميقاً:
لماذا يميل المغربي في بلده إلى منح الثقة للآخر بشكل أولي، بينما قد لا يُمنح هو الثقة نفسها عند عبوره الحدود؟
ثالثا : مقارنة بين الضيافة غير المشروط والضيافة المؤسسية:
يمكن تفسير الفرق عبر نمطين من الضيافة:
1ضيافة ثقافية غيرالمشروطة:
وهي التي تنبع من واجب أخلاقي واجتماعي، حيث يُكرم الضيف لكونه ضيفاً، بغض النظر عن منفعته أو خلفيته.
2ضيافة مؤسسية مشروطة: وهي التي تحكمها قوانين الهجرة والإقامة والاعتبارات الاقتصادية، حيث يصبح الترحيب مرتبطاً بشروط واضحة.
في الحالة المغربية، تتغلب المرجعية الثقافية على الحسابات الباردة. أما في كثير من الدول الصناعية، فتغلب المرجعية القانونية والمؤسساتية، ما يجعل العلاقة أكثر رسمية وأقل دفئاً على المستوى الإنساني.
هل نحن أمام عدم تكافؤ؟
الواقع أكثر تعقيداً من ثنائية “نحن كرماء وهم أقل كرماً”. فكل مجتمع يتفاعل وفق تاريخه، ومخاوفه، وتركيبته السكانية.
في مجال الرياضة وبالضبط كرة القدم يطغى الانفعال والانتماء وحب الانتصار ومصلحة الفريق على اي اعتبار فتخرج الامور عن السيطرة ويتحول السلوك العادي الى سلوك عدواني ربما تساعده النزعة الفردانية الانانية للظهور على شكل عنف وشغب جماهيري في الدرجات أو خارج الملعب وخذه ظاهرة رياضية تطغي في الدول المتخلفة أكثر ….
غير أن التجربة المتكررة لكثير من المغاربة في الخارج—سواء إيجابية أو سلبية—تؤكد أن المعاملة ليست دائماً انعكاساً مطابقاً لما يقدمونه في وطنهم.
وهنا تكمن المفارقة: المغربي يرى في الآخر ضيفاً، بينما قد يُنظر إليه هو كوافد.
الفرق بين “ضيف” و”وافد” ليس لغوياً فقط، بل يحمل شحنة رمزية تتعلق بالمكانة والاعتراف.
نحو علاقة متبادلة أكثر عدلاً
ليس الهدف من هذا الطرح إثارة نزعة ضحية، ولا الدعوة إلى تقليص قيم الضيافة بحجة المعاملة بالمثل. بل العكس تماماً.
فالقيمة الأخلاقية الحقيقية تُقاس بقدرتها على الاستمرار رغم غياب المقابل الفوري.
لكن في الوقت ذاته، من حق المغربي أن يطمح إلى معاملة تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الصور النمطية. ومن واجب النخب الثقافية والإعلامية في كل مكان أن تعيد النظر في التمثلات التي تُختزل فيها الشعوب.
من خلال ماسبق نستنتج أن
تجربة المغربي مع الآخر في الداخل تكشف عن مجتمع يرى في الضيافة جزءاً من هويته.
وتجربته في الخارج تكشف عن عالم لا يزال يتأرجح بين الانفتاح والتحفظ.
وبين هاتين التجربتين، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نستطيع تحويل الضيافة من قيمة محلية إلى ثقافة إنسانية كونية قائمة على الاعتراف المتبادل؟
هل يمكن أن نحول النشاط الرياضي من منافسة إلى علاقات إنسانية قائمة على الاحترام المتبادل والتعارف في اطار شعار
“شجع فريقك واحترم ضيوفك ”
ربما يكون الجواب في استمرارنا في ممارسة ما نؤمن به، مع المطالبة—بهذا القدر نفسه من الهدوء والكرامة—بحقنا في المعاملة بالمثل.
وكذلك لابد من اليقين بان الرياضة خاصة وسيلة لتقارب بين المجتمعات والشعوب في اطار دعم الروح الرياضية..
وهذا مايتطلب دورا من الاعلام لنشر ثقافة الروح الرياضية واحترام حقوق الإنسان…
☆بقلم محمد الغياط باحث في الاعلام والصناعة الثقافية .المغرب في 16\2\2026
