النوم المُصادَر للمغاربة باسم المصلحة العامة حين تُدار الساعة بعكس الجسد

0

الكارح  ابو سالم

الزمن المختل :

ليست قضية “الساعة التي تُضاف وتُنقص” مجرد خلاف إداري حول توقيت العمل، بل هي مسألة تمسّ البنية العميقة للحياة اليومية: كيف ننام، كيف ننتج، كيف نستهلك الطاقة، وكيف تتوازن نفسيتنا. إن أي قرار بتثبيت توقيت أو تغييره ينبغي أن يُقرأ ضمن ثلاث دوائر مترابطة: الدائرة البيولوجية، والدائرة الاقتصادية، والدائرة الاجتماعية-الرقمية. خارج هذا الترابط، يغدو النقاش مبتوراً.

أولاً: البيولوجيا لا تُفاوض

يضبط جسم الإنسان إيقاعه وفق “الساعة البيولوجية” (Circadian Rhythm)، وهي منظومة عصبية-هرمونية يقودها مركز في الدماغ يتفاعل أساساً مع الضوء الطبيعي. التعرض لضوء الصباح يُعيد ضبط إفراز هرمون الميلاتونين (هرمون النوم)، ويُنشّط الكورتيزول المسؤول عن اليقظة. حين يبدأ اليوم في الظلام، يحدث ما يسميه الباحثون “اختلالاً زمنياً اجتماعياً” (Social Jetlag): ساعة العمل تسبق ساعة الجسد.
هذا الاختلال ليس شعوراً عابراً بالنعاس. دراسات منشورة في مجلات طبية مرجعية—من بينها British Medical Journal—ربطت بين اضطراب الإيقاع اليومي وارتفاع مخاطر الحوادث في أيام الانتقال، وتفاقم اضطرابات النوم، وتذبذب المؤشرات القلبية لدى فئات حساسة. كما أن المراهقين، الذين تميل ساعاتهم البيولوجية طبيعياً إلى النوم المتأخر، يتأثرون أكثر: يتراجع التركيز، ويزداد القلق، وتتسع فجوة التحصيل. باختصار، حين تُقدَّم الساعة على الشمس، يُطلب من الجسد أن يتكيّف قسراً، وثمن ذلك يُدفع نفسياً ووظيفياً.

ثانياً: الاقتصاد بين الوفر النظري والكلفة المخفية

يُبرَّر التوقيت غالباً بحجة الطاقة. لكن الأدبيات المقارنة تُظهر نتائج متباينة: في بعض السياقات تحقق وفورات محدودة في الإضاءة المسائية، بينما في سياقات أخرى تتآكل هذه الوفورات بسبب ارتفاع استهلاك التكييف، أو تغيّر أنماط الخروج المسائي، أو تمدد الأنشطة الليلية. والأهم أن حساب الجدوى لا يجب أن يقتصر على فاتورة الكهرباء؛ بل ينبغي إدراج كلفة انخفاض الإنتاجية الناتج عن قلة النوم، وكلفة الحوادث، وكلفة الرعاية الصحية المرتبطة باضطرابات النوم والمزاج.

ثم إن سلوك الاستهلاك نفسه تغيّر. جولة ليلية بسيطة تكشف نمطاً جديداً: أضواء لا تُطفأ قبل الثانية صباحاً، شاشات مضيئة حتى الفجر. هنا تتداخل الساعة الرسمية مع “ساعة رقمية” لا تنام. إذا كان الإيقاع الاجتماعي قد انزاح نحو الليل بفعل المنصات الرقمية، فإن تقديم ساعة العمل صباحاً لا يعيد الانضباط، بل يعمّق الفجوة بين وقت النوم الفعلي ووقت الاستيقاظ المطلوب. النتيجة؟ نوم أقصر، استهلاك طاقي أطول زمنياً، وإرهاق مُعمَّم.
بعض الدراسات أشارت إلى أن تغيّر دورة النوم-الاستيقاظ قد يرفع الاستهلاك الكلي للطاقة لأن اليوم “الفعّال” يمتد زمنياً: إضاءة أطول، أجهزة عاملة لساعات إضافية، نقل ليلي أكثر. في هذه الحالة، يصبح الحديث عن “وفرٍ طاقي” رهيناً ببيانات دقيقة ومعلنة تُقارن بين سيناريوهات متعددة، لا بشعار عام.

ثالثاً: التحول الرقمي… مضاعِف الخلل

نعيش اليوم في بيئة اتصال دائم. وسائل التواصل لا تغيّر فقط طريقة تواصلنا؛ بل تغيّر زمننا. التعرض المتأخر للضوء الأزرق يثبط إفراز الميلاتونين، ويؤخر النوم. حين يُضاف إلى ذلك تقديم ساعة العمل، تتشكل معادلة ضاغطة: نوم أقل + استيقاظ أبكر = إرهاق مزمن. الإرهاق المزمن يرتبط علمياً باضطرابات المزاج، وتراجع المناعة، وتذبذب الأداء المعرفي. أي أن القرار الزمني يتقاطع مع نمط حياة رقمي يضاعف أثره.

بين الطبيعة والسياسة: ما المنطق؟

المفارقة أن لحظة العودة إلى التوقيت “الأصلي” تُشعر الناس بمصالحة فورية مع الضوء. هذا الشعور ليس حنيناً؛ إنه استجابة فسيولوجية. إذا كانت السياسة العمومية الحديثة تتأسس على الأدلة (Evidence-based policy)، فإن سياسة الزمن أولى بأن تُبنى على معطيات صحية واقتصادية شفافة:
• ما حجم الوفر الطاقي الصافي بعد احتساب تغيّر أنماط الاستهلاك؟
• ما أثر التوقيت على النوم الفعلي للفئات المختلفة (عمال باكرون، مراهقون، موظفون)؟
• ما كلفة الحوادث والإرهاق والإنتاجية المفقودة؟
من دون هذه المقارنة الشاملة، يصبح تعديل الساعة قراراً معزولاً عن منطق كلي. الزمن ليس رقماً على الحائط؛ إنه بنية تنسّق بين الشمس والجسد والاقتصاد. وإذا كان المجتمع قد تغيّر—رقمياً وسلوكياً—فإن أي مقاربة للساعة يجب أن تعترف بهذا التحول. وإلا سنبقى ندير العقارب في اتجاه، بينما تمضي البيولوجيا والممارسات اليومية في اتجاه آخر.
ختاما، ان سياسة الزمن العاقلة هي التي تُوازن بين الاقتصاد والصحة والثقة. تُقاس لا بعدد الدقائق المضافة أو المنقوصة، بل بمدى انسجامها مع دورة الإنسان الطبيعية ومع واقعه الرقمي الجديد. حين ينام المجتمع أقل ليُضيء أكثر، لا يكون قد ربح ساعة، بل خسر إيقاعاً—وهذا، في حساب التنمية،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.