الكارح ابو سالم
لم يكن الحديث عن النخب في المغرب، خلال الثمانينيات والتسعينيات، مجرد نقاش فكري. كان الأمر يتعلق بجيل تشكّل في سياق صعب، لكنه واضح المعالم: مسارات تكوين محددة، سلالم ارتقاء شبه مضبوطة، ووسائط قوية تؤطر وتفرز وتُخضع للاختبار. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذرياً. لم تعد النخبة تُرى بوصفها حصيلة مسار طويل، بل أحياناً كنتيجة توازنات ظرفية أو شبكات نفوذ عابرة. وبين المرحلتين لا يكمن الفرق في الأشخاص فقط، بل في قواعد اللعبة نفسها — وفي نوع “الفلتر” الذي ينتج القيادة.
في الثمانينيات، كان المغرب يعيش ضغطاً اقتصادياً حاداً بفعل برامج التقويم الهيكلي، وتوتراً سياسياً لم ينفرج إلا تدريجياً وصولاً إلى تجربة التناوب أواخر التسعينيات. في هذا السياق تشكّلت نخبة بخصائص ثلاث: صرامة التكوين، التدرج في المسؤولية، وشرعية الوساطة. كان الصعود إلى القرار يمر عبر امتحانين متلازمين: الكفاءة التقنية، والقدرة على تدبير التوازنات السياسية والمؤسساتية.
الإدارة الترابية، مثلاً، لم تكن فضاءً للارتجال، بل مدرسة ميدانية قاسية تُنتج مسؤولين عبر الاحتكاك اليومي بالواقع. والأحزاب، رغم محدودية هامشها آنذاك، كانت فضاءات حقيقية للتأطير وصناعة القيادات. تجربة شخصيات مثل مزيان بلفقيه تعكس هذا النمط؛ حيث امتزج التكوين التقني بالحضور الاستراتيجي، والقدرة على لعب أدوار تنسيقية في ملفات كبرى. لم تكن تلك النخبة بلا أخطاء، لكنها كانت ابنة “مدرسة” واضحة المعايير.
مع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة المشاريع الكبرى والتحديث المتسارع. ارتفعت قيمة الكفاءة التقنية، وصعدت نخبة التقنوقراط التي تقاس شرعيتها بسرعة الإنجاز وقدرتها على إدارة البرامج. أصبح منطق “النتيجة” معياراً مركزياً، وتراجع نسبياً وزن الوساطة الحزبية التقليدية. لم يعد الانتماء الحزبي وحده بوابة العبور، بل القدرة على قيادة ورش أو إصلاح.
غير أن هذا التحول، على إيجابيته، أفرز مفارقة عميقة. فمع اتساع قاعدة التعليم العالي وتزايد أعداد الخريجين، لم تتطور بالوتيرة نفسها آليات الانتقاء داخل الأحزاب. وهنا يتجلى البعد الجديد للأزمة: ليست فقط أزمة دولة تبحث عن كفاءات، بل أزمة أحزاب لم تعد تنتج نخبة قادرة على تحمل مسؤوليات وزارية استثنائية.
الأحزاب اليوم تواجه ثلاثة اختلالات بنيوية:
أولاً، تآكل وظيفة التأطير. لم تعد العديد من التنظيمات فضاءً للتكوين السياسي والفكري العميق، بل تحولت في بعض الحالات إلى منصات انتخابية ظرفية. وحين يضعف التكوين، تضعف القدرة على إنتاج قيادات ذات رؤية استراتيجية.
ثانياً، تضخم منطق الولاء الداخلي على حساب التخصص. في الماضي، كان التدرج الحزبي مساراً طويلاً يفرز قيادات اختُبرت في النقابة، الجماعة، البرلمان. اليوم قد يبرز اسم بسرعة داخل دائرة ضيقة دون المرور بمحطات صقل حقيقية.
ثالثاً، انفصال نسبي بين النخب الحزبية والطاقات التقنية العليا. كثير من الكفاءات الإدارية والاقتصادية تفضل مسارات مهنية مستقلة بدل الانخراط الحزبي، ما يخلق فجوة بين “الشرعية الانتخابية” و“الخبرة القطاعية”.

والنتيجة؟ عند تشكيل الحكومات، يصبح هامش الاختيار داخل بعض الأحزاب محدوداً. ليس لأن البلاد تفتقر إلى الكفاءات، بل لأن القنوات الوسيطة لم تعد تضخ باستمرار أسماء جاهزة لتحمل مسؤوليات ثقيلة ومعقدة. وهنا يظهر اللجوء المتكرر إلى شخصيات من خارج البنية الحزبية لسد الفراغ، ما يعمّق بدوره أزمة الأحزاب ويضعف صورتها كخزّان للنخبة والمفارقة أن المجتمع تغيّر بوتيرة أسرع من الأحزاب. جيل رقمي جديد يتابع الأداء الحكومي لحظة بلحظة، يقارن المؤشرات، ويطالب بالشفافية والمحاسبة. هذا الجيل لا تمنحه المناصب الثقة تلقائياً، بل يمنحها للأثر القابل للقياس. وفي ظل غياب آليات تقييم واضحة ومؤشرات أداء معلنة بشكل دوري، تتسع فجوة الثقة.
إذا قارنا المرحلتين، نجد أن الماضي كان أبطأ لكنه أكثر صرامة مؤسساتياً؛ أما الحاضر فأسرع وأكثر مرونة، لكنه أحياناً أقل وضوحاً في معاييره. سابقاً، كان “الفلتر” حزباً أو إدارة أو مساراً تدريجياً واضحاً. اليوم، الفلتر أكثر سيولة، وقد يكون شبكة أو ظرفاً سياسياً عابراً. وهذه السيولة، إن لم تُضبط، تضعف الاستدامة.الرهان إذن ليس في تمجيد جيل الثمانينيات ولا في شيطنة الجيل الحالي، بل في بناء نموذج ثالث لإنتاج النخبة. نموذج يعيد للأحزاب وظيفتها التكوينية، ويربط الترقّي بالكفاءة الفعلية، ويؤسس لتقييم دوري مبني على مؤشرات أداء معلنة. فالدولة تحتاج إلى وزراء لا يجمعون فقط بين الشرعية السياسية والكفاءة التقنية، بل يمتلكون رؤية قطاعية عميقة وقدرة على التواصل والإقناع في زمن رقمي شديد الحساسية.
غياب النخب داخل بعض الأحزاب ليس قدراً، بل نتيجة مسارات قابلة للمراجعة. وإذا لم تُحدَّث هندسة إنتاج القيادة، ستبقى أزمة اختيار وزراء بكفاءات استثنائية تتكرر مع كل استحقاق. بين زمن “المدرسة” وزمن “الشبكة”، يبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع الأحزاب أن تستعيد دورها كمختبر لصناعة الدولة، لا كممر ظرفي إلى السلطة ؟؟؟
