الگارح ابو سالم
لم تعد الأحكام الصادرة عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بحاجة إلى تفكيك قانوني معقّد كي تُفهم، فهي صارت تشرح نفسها بنفسها، وتفضح منطقها قبل أن تُقرأ حيثياتها. ففي واحدة من أكثر المحطات التناقضية في تاريخ الكرة الإفريقية، وجد المغرب نفسه في قلب مشهد عبثي: منتخب يُتوَّج بجائزة اللعب النظيف، ثم يُستدعى بعد أيام إلى قفص الاتهام بدعوى السلوك غير الرياضي، بينما يُكافَأ الانسحاب والفوضى بعقوبات مخففة لا تمسّ جوهر الجريمة ولا نتيجتها.
المفارقة هنا ليست لغوية ولا ظرفية، بل بنيوية. فحين ينسحب منتخب من نهائي قاري، تُغادر عناصره أرضية الملعب، تُربك المباراة، وتتحول المدرجات إلى فضاء فوضوي شهد اعتداءات على رجال الأمن، ثم يُغلق الملف بعقوبات شكلية، فإن الرسالة تصبح واضحة: القانون لا يُقاس بالفعل، بل بالفاعل.

صامويل إيتو قال ما لم تجرؤ الكاف على الاعتراف به. بسخرية جارحة، شكر الاتحاد الإفريقي على “السابقة القانونية العجيبة” التي تتيح لأي فريق لا يعجبه قرار الحكم أن يغادر الملعب، يحتسي كأس شاي، يشتت الخصم، ثم يعود متى شاء، ومعه الجماهير، دون أن يتغير شيء. لم يكن كلام إيتو نكتة عابرة، بل تشريحًا دقيقًا لمنظومة صارت ترى في الفوضى خيارًا تكتيكيًا مشروعًا، وفي الانضباط عبئًا زائدًا عن الحاجة.
هذا التشخيص لم يكن معزولًا. أرسين فينغر، القادم من خارج الحسابات الإفريقية، لخّص المأساة في جملة واحدة: في إفريقيا، إذا رفعت المستوى وحملت الراية بأفضل صورة، تُعاقَب. المغرب، بحسبه، مطالب بأن يركّز على نفسه لأن الجميع يترقب سقوطه. هيرفي رونار، الذي يعرف دهاليز الكرة الإفريقية أكثر من غيره، لم يُخفِ بدوره استغرابه من منطق يُفرّغ العقوبة من معناها، ويحوّل الانسحاب والتعطيل إلى “حيل مقنّنة”. الزيتوني وآخرون من داخل المشهد الكروي العربي والإفريقي ذهبوا في الاتجاه نفسه: ما وقع ليس اجتهادًا تأديبيًا، بل اختلالًا فاضحًا في ميزان العدالة.
وإذا انتقلنا إلى لغة الأرقام، تتعمق السخرية أكثر. مدرب السنغال يُوقَف بضع مباريات قارية، لاعبو الفريق لعقوبات محدودة، غرامات مالية لا توازي حجم الفوضى ولا خطورتها، واللقب يبقى في مكانه كأن شيئًا لم يكن. في المقابل، يُحاسَب المغرب على كل تفصيلة: لاعبون، جامعة، تنظيم، جامعو كرات… بل يُعاقَب على عناصر تحمل شعار الكاف نفسها. هنا لا نتحدث عن صرامة، بل عن تحميل المسؤولية لمن لا يملك سلطة القرار.

ريمون هاك، الرئيس السابق للجنة الانضباط بالكاف، وصف ما حدث بأنه فرصة تاريخية ضاعت، وموقف من أكثر اللحظات إحراجًا في تاريخ الاتحاد. شهادة من الداخل تؤكد أن الإشكال لم يعد في قراءة جماهير غاضبة أو إعلام منحاز، بل في شرعية القرار ذاته.
الأدهى من ذلك أن مسار الملف، من التماطل في إعلان الأحكام إلى تمديد آجال البتّ فيها، كشف أن العدالة داخل الكاف لا تُقاس بالمعايير، بل تُدار بمنطق “التعديل المستمر” حتى تُرضي الجميع… إلا المبدأ. وهنا نستحضر، دون مبالغة، درس الإعدادي الشهير: سروال علي. كل واحد يقصّ منه سنتيمترات بدعوى الإصلاح، الأم، الأخت، الزوجة، إلى أن يتحول في النهاية إلى “شورط” أو “ثُبّان”. هذا بالضبط ما فعلته الكاف بالقانون: قصّت منه حيث شاءت، وعدّلت حسب الظرف، إلى أن فقد شكله، طوله، ومعناه.
لهذا، لم يعد السؤال: هل كانت العقوبات عادلة أم لا؟ بل: هل ما زال هذا النظام التأديبي صالحًا أصلًا؟ فحين تتكرر الأحكام المتناقضة في نزالات مختلفة، وحين يُغلَّب الظالم على المظلوم باسم “التوازن”، وحين تُفرَّغ القوانين من جوهرها عبر الالتفاف عليها، يصبح الإصلاح الترقيعي مضيعة للوقت.
ما يحدث اليوم هو إجماع نادر: لاعبون سابقون، مدربون، مسؤولون، إعلام دولي… الكل يقول بصيغ مختلفة إن الكاف بحاجة إلى زلزال حقيقي، لا إلى بيانات تهدئة. زلزال يعيد بناء المؤسسة على أسس الحكامة والشفافية، ويفصل بين السياسة والرياضة، وبين النفوذ والقانون. لأن انتظار تغيّر النفوس وهم، وما بُني على اختلال لا يُصلَح إلا بإعادة التأسيس.
المغرب في هذه القصة ليس استثناءً، بل إنذارًا. إنذارًا يقول إن الكرة الإفريقية لن تتقدم طالما ظل “سروال القانون” يُقصّ حسب المقاس، وطالما بقيت العدالة تُدار بمنطق من يُرضي القرار لا من يستحقه. وفي هذه الحالة، لا يكون السكوت حكمة، بل مشاركة غير مباشرة في استمر
