رأي لا يهمكم : إنتصر الدستور وانهزمت الحكومة في معركة الصحافة
الگارح ابوسالم
لم تسقط المحكمة الدستورية موادًا من قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة فقط، بل أسقطت معها وهمَ التشريع المتحكم فيه، وكشفت، مرة أخرى، عُري المقاربة الحكومية في التعامل مع واحدة من أكثر المهن حساسية في البناء الديمقراطي: الصحافة.
القرار لم يكن مفاجئًا، لأن القانون نفسه لم يكن متماسكًا لا في روحه ولا في بنيته. كان نصًا يعرف الجميع، منذ لحظة خروجه إلى العلن، أنه لن يصمد أمام الرقابة الدستورية، لأنه قام على اختلالات واضحة في التمثيلية، وضرب مباشر لمبدأ التنظيم الذاتي، ومحاولات مكشوفة لإعادة هندسة المهنة بمنطق الغلبة لا التوازن، وبمنطق التحكم لا الاستقلالية.
السؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا رفضت المحكمة الدستورية هذه المقتضيات؟
السؤال الأخطر هو: من دفع بالوزير الوصي إلى الإصرار على تمرير قانون يعلم مسبقًا أنه مخالف للدستور؟ ومن مارس الضغط كي يمر النص عبر الغرفتين، رغم التحذيرات الصادرة عن المهنيين، والمؤسسات الدستورية، والمعارضة البرلمانية، والخبراء والأكاديميين؟
لقد اختارت الحكومة، ومعها أغلبيتها، أن تتعامل مع الدستور باعتباره عائقًا سياسيًا لا مرجعية ملزمة، ومع التنظيم الذاتي باعتباره امتيازًا قابلًا للترويض لا حقًا دستورياً لا يقبل التأويل. فجاء القانون محمّلاً بمقتضيات تمنح فئة بعينها تفوقًا عدديًا، وتُقصي أخرى، وتكرّس الاحتكار بدل التعددية، وتخلط بين التأديب والاستئناف في خرق سافر لمبدأ الحياد وضمانات المحاكمة العادلة.
ولذلك كان طبيعيًا أن تسقط كل المواد المرتبطة بتأليف المجلس وصلاحياته، لأن أي بناء يقوم على أساس فاسد، لا يمكن إنقاذه بترقيعات تقنية. المحكمة الدستورية لم تفعل سوى إعادة التذكير بحقائق بديهية: لا تنظيم ذاتي بلا ديمقراطية داخلية، ولا استقلالية مع اختلال التمثيلية، ولا شرعية لمجلس يُفصّل على مقاس مصالح ضيقة.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط سقوط القانون، بل إهدار الزمن التشريعي والسياسي، وتعطيل مؤسسة دستورية، وإبقاء قطاع كامل رهينة الفراغ، فقط لأن الوزير الوصي اختار منطق التحدي بدل الحوار، والاستقواء بالأغلبية العددية بدل الإصغاء، واعتبر التنبيهات مجرد تشويش يجب تجاوزه.
هذا السلوك ليس استثناءً، بل يعكس أزمة أعمق تعيشها هذه الحكومة في مجال التشريع: غياب رؤية، ارتباك في الصياغة، سحب قوانين، تعطيل أخرى، ونصوص تسقط تباعًا أمام المحكمة الدستورية، مقابل هروب نحو المراسيم ورفض ممنهج لمبادرات المعارضة.
إن قرار المحكمة الدستورية في ملف المجلس الوطني للصحافة هو، في العمق، إدانة سياسية قبل أن يكون حكمًا قانونيًا. إدانة لمسار حاول الالتفاف على الدستور تحت غطاء شرعية انتخابية تآكلت بسرعة، ومحاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل دستور 2011 في ما يخص حرية الصحافة والتنظيم الذاتي.
اليوم، لم يعد المطلوب فقط إعادة صياغة المواد المسقطة، بل إغلاق هذا القوس السياسي برمته، والعودة إلى المسار الدستوري السليم. وهذا لن يتم إلا بإرادة سياسية تحترم الدستور، وبمشاركة مهنية حقيقية، وبصحافة وطنية مستقلة لا تُدار بالمال ولا تُضبط بالمحاكم ولا تُنسف من الداخل بقوانين مفصّلة.
ما قالته المحكمة الدستورية اليوم واضح: الدستور أقوى من أي أغلبية، والتنظيم الذاتي ليس امتيازًا تمنحه الحكومة، بل حقٌّ لا يقبل المساومة
