فرانس 2 تكشف شبكة الظل الجزائرية لتخريب نجاح المغرب في كأس إفريقيا

0

الكارح أبو سالم 

لم يكن التحقيق الذي بثّته قناة فرانس2 مجرّد عمل صحافي استقصائي يُضاف إلى أرشيف البرامج التلفزيونية، بل جاء كوثيقة سياسية بامتياز، تُزيح الستار عن منطق حكم كامل، وتضع النظام الجزائري في مواجهة علنية مع ممارسات ظلّ لسنوات يصرّ على إنكارها. تقرير لا يكتفي بوصف الوقائع، بل يعيد تركيب المشهد من داخله، كاشفًا كيف تتحول الدولة، حين تفشل في إنتاج الشرعية، إلى جهاز مطاردة عابر للحدود.

اللافت في هذا التحقيق أنه تجاوز منطق “الاتهام المباشر” إلى تفكيك البنية العميقة لما يمكن تسميته بـسيكولوجيا السلطة الجزائرية: سلطة لا ترى في المعارضة رأيًا آخر، بل خطرًا وجوديًا، ولا تعتبر النقد جزءًا من المجال العام، بل تهديدًا أمنيًا يستوجب الرد. هنا تتحول السياسة إلى أداة قمع، ويغدو النفوذ شبكة ضغط، وتُستعمل أساليب الترهيب النفسي والاختراق والملاحقة كوسائل “مشروعة” لضبط المجال السياسي، داخل البلاد وخارجها.

 

هذا النمط من الحكم لا يُمارس في الفراغ، بل يتغذى من الإخفاق. فالدول التي تنجح في بناء نموذج تنموي أو دبلوماسي لا تحتاج إلى مطاردة معارضيها في عواصم أخرى، ولا إلى تصدير أزماتها. ومن هنا يمكن فهم حالة التوتر البنيوي التي تحكم سلوك النظام الجزائري، خاصة حين يُقارن نفسه بجيرانه. فنجاح المغرب، في تنظيم تظاهرات كبرى، وعلى رأسها كأس إفريقيا، لم يكن حدثًا رياضيًا معزولًا، بل لحظة رمزية كشفت الفارق بين من يبني الدولة ومن يستهلكها في الصراع.

ما رافق تلك التظاهرة من محاولات تشويش، وبثّ للشك، وصناعة للفوضى الإعلامية والجماهيرية، لم يكن بريئًا ولا عفويًا، بل ينسجم تمامًا مع ما كشفه تقرير فرانس 2: منطق “الضرب في الصورة” حين يتعذر ضرب الواقع، ومنهج إرباك الناجح بدل إصلاح الفاشل. فالدولة التي ترى في نجاح غيرها تهديدًا، لا تملك إلا أدوات التخريب الرمزي حين تعجز عن المنافسة.

التحقيق الفرنسي يكتسب ثقله الحقيقي من كونه صدر عن مؤسسة إعلامية التزمت بصرامة مهنية، ووثّقت معطياتها، وربطت الأحداث بسياقها السياسي والأمني، دون انزلاق إلى الشعبوية أو التهويل. وهذا ما يفسّر الهجوم العنيف الذي استهدفه، ومحاولات شيطنته واتهامه بخدمة “أجندات معادية”، وهي ردود فعل لا تعبّر عن قوة الموقف بقدر ما تكشف هشاشته. فالدولة الواثقة من نفسها لا تخاف الكاميرا، ولا ترتبك أمام الأسئلة.

في العمق، لا يفضح التقرير ممارسات معزولة، بل يكشف مأزق نظام كامل، استثمر لعقود في العداء الخارجي، وصرف الملايين في شبكات التأثير والضغط، دون أن يحقق اختراقًا حقيقيًا في ملف الصحراء المغربية، بل على العكس، انتهى به الأمر إلى مشاهدة اعترافات دولية متتالية تُغلق واحدًا تلو الآخر أبواب الوهم التي ظلّ يطرقها.

اليوم، ومع خروج هذه المعطيات إلى العلن، يجد النظام العسكري الجزائري نفسه أمام معادلة صعبة: عالم لم يعد يقبل الخطاب الأحادي، وإعلام دولي لم يعد يكتفي بالبيانات الرسمية، وحقيقة كلما حوصرت ازدادت قدرة على الظهور. لقد أخرجت فرنسا أوراقًا ثقيلة، ليس بدافع الخصومة، بل بمنطق الكشف، وتداعيات ذلك لن تكون إعلامية فقط، بل سياسية واستراتيجية، لأن الأنظمة التي تحكم بالظل غالبًا ما تسقط حين يُسلَّط عليها الضوء.

وهكذا يثبت هذا التحقيق أن الحقيقة، مهما أُحيطت بأسوار السرية، قادرة دائمًا على النفاذ من شقوق الاعتراف المهني… وأن الظل، مهما طال، لا يستطيع أن يُقنع العالم بأنه الضوء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.