الگارح ابو سالم
أعاد البلاغ الملكي الأمور إلى نصابها، لا فقط من حيث توصيف ما جرى، بل من خلال تثمينه لدور الشعب المغربي في إنجاح التظاهرة، والتنويه بسمو أخلاقه ونبل كرمه، باعتبارهما الركيزة الصامتة لكل نجاح مغربي. ولم يكن ذلك تنويهاً بروتوكولياً، بل قراءة عميقة لحدث كروي تحوّل، بفعل الوعي الشعبي، إلى لحظة دالة في مسار أمة.
ففي نهائي كان المغاربة يتوقون أن يُتوج على أرضهم، ووسط إحساس عام بأن الهزيمة لم تكن منسجمة مع منطق الكرة ولا مع روح التنافس الشريف، بل شابتها تداخلات خارجية وأساليب ملتوية سيكون للقضاء الرياضي كلمته فيها، كان الامتحان الحقيقي خارج رقعة الملعب: كيف سيكون رد فعل الجمهور؟
الغضب كان حاضراً، والإحساس بالحكرة والشماتة كان ثقيلاً، لكن ما لم يكن حاضراً هو الفوضى. لم نشهد تخريباً، ولا اعتداءات، ولا انفلاتاً عن القيم. رد الفعل المغربي اقتصر على التنديد الشفهي واللفظي، في أرقى صوره، دون الانجرار إلى السيناريوهات الدامية التي كان بعض المتربصين يأملون في وقوعها.
أكثر من 66 ألف متفرج داخل الملعب، وعشرات الآلاف خارجه في فضاءات الفان زون، عاشوا خسارة موجعة، لكنهم اختاروا الوعي بدل الانفلات، والحضارة بدل الرد بالمثل. وفي لحظة كان من الممكن أن تنقلب إلى فوضى، علا صوت واحد من المدرجات، بسيط في عبارته، عميق في معناه:
“ديما مغرب… ديما مغرب”.
مشهد بالغ الدلالة، ربما غفل عنه كثيرون، في نهائي اتسم بالاستفزازات: من تحريض غير مقبول على الانسحاب، إلى تصرفات همجية صدرت عن بعض الجماهير السنغالية. ورغم ذلك، ظل السلوك المغربي منضبطاً، هادئاً، ومسؤولاً. ولو أن هذه الوقائع حدثت في دول أخرى، لكان الشغب عنوانها الأول، خصوصاً حين يكون البلد المنظم هو الطرف المتضرر.
المفارقة المؤلمة أن من خططوا لهذا النهائي، داخل الكواليس وخارجها، كانوا يراهنون على انفلات الجماهير، بل أعدّوا سيناريوهات متعددة لإشعال شرارة داخل الملعب وخارجه. لكن كل تلك الحسابات سقطت أمام وعي شعب تربى على أن الأخلاق لا تُهزم حتى في لحظة الخسارة.
خرجت الجماهير المغربية بهدوء، دون اشتباكات أو اعتداءات، في صورة تختزل تاريخ دولة، وعمق أمة، وتجذر منظومة قيم. مغرب النخلة الوارفة التي إن رُميت بالحجارة، لا ترد إلا بالثمر. مغرب “البذرة الطيبة” التي لا تُنبت إلا زرعاً طيباً.
هذا السلوك لم يكن عفوياً، بل رسالة بليغة المعنى إلى جار السوء، وإلى من يحرّكون النعرات القبلية من وراء جدران قصر المرادية، مفادها أن المغرب لا يُستدرج، وأن شعبه عصيّ على الفتنة، ومحصّن بالوعي والتربية.
هذه هي تمغربيت الحقيقية:
أخلاق قبل النتائج،
وتربية قبل الألقاب،
ودولة تُراكم الرقي حتى في لحظات الانكسار.
درس في التحضر يُحسب للمغاربة، ولن يُنسى.

