الصناعة الثقافية الإبداعية وعلاقتها بالإعلام “المتطلبات الأخلاقية وضوابط التشريع في المغرب
بقلم : محمد الغياط
مقدمة
تُعدّ الصناعة الثقافية الابداعية إحدى الركائز الأساسية للتنمية البشرية والاقتصاد الرمزي في المجتمعات الحديثة، فهي تجمع بين الإبداع الفني والفكري من جهة، وآليات الإنتاج والتسويق والاستهلاك من جهة ثانية، ويُعتبر الإعلام الوسيط الرئيس لنشر المنتوج الثقافي وصناعته وتوجيه أذوّاق الجمهور.
في المغرب، تتقاطع الصناعة الثقافية مع منظومة الإعلام في سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي معقّد، وخاصة بعد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وتاثيرها على المجتمع ، مما يجعل دراسة المتطلبات الأخلاقية وضوابط التشريع ضرورة لفهم تحديات الحقل الثقافي والإعلامي واستحضار مسالة تأطير الصناعة الثقافية بمقومات أخلاقية
اولا: الإطار المفاهيمي والمنهجي
1. المنهجية العلمية المعتمدة
المنهج الوصفي التحليلي: وصف واقع الصناعة الثقافية والإعلام في المغرب وتحليل ترابطهما
منهج دراسة الحالة: التركيز على التجربة المغربية
التحليل المعياري: ربط الواقع بالمتطلبات الأخلاقية والتشريعية
2. المفاهيم الأساسية
أ-الصناعة الثقافية: تحويل الإنتاج الثقافي إلى سلع وخدمات قابلة للتسويق والاستهلاك (كتاب، سينما، موسيقى، مسرح، تراث، فنون رقمية…)
ب‐الإعلام: وسائل الاتصال الجماهيري التقليدية والرقمية
ج‐الأخلاق المهنية: المسؤولية، الصدق، احترام الكرامة والخصوصية، والهوية الوطنية
د-التشريع: القوانين المنظمة للصحافة والنشر وحقوق المؤلف وحماية التراث والملكية الفكرية

ثالثا.: الصناعة الثقافية في المغرب:
تشخيص ملامح الواقع الراهن
1-تعدّد الفاعلين: الدولة، القطاع الخاص، المبادرات الفردية
غنى الرصيد الثقافي والتراثي (أمازيغي، عربي، إفريقي، أندلسي)
توسّع الفنون الرقمية ومنصات البث
حضور قوي للمهرجانات والفعاليات الثقافية
2.- نقاط القوة
تنوع ثقافي ولغوي غني
إشعاع دولي لبعض الفنون المغربية (الموسيقى، السينما)
وجود سوق واعدة مرتبطة بالشباب والفضاء الرقمي
3.- نقاط الضعف
ضعف التمويل والاستثمار الثقافي
هشاشة البنيات التحتية الثقافية في بعض المناطق
تراجع القراءة وضعف الصناعات الكتابية
هيمنة المنتوج المستورد عبر الإعلام الرقمي
رابعا : علاقة الصناعة الثقافية بالإعلام
1. علاقة تكامل
الإعلام يروّج للمحتوى الثقافي ويصنع الذوق العام
الصناعة الثقافية تغذّي الإعلام بمضامين فنية وترفيهية ومعرفية
تشكّل منصات التواصل سوقًا ضخمًا لاستهلاك الثقافة
2. علاقة تأثير متبادل
الإعلام يساهم في تسليع الثقافة وتحويلها إلى منتج استهلاكي
خطر تبعية الذوق العام للميولات التجارية بدل القيمة الفنية
إمكانية توظيف الإعلام لحماية الهوية بالموازاة مع الانفتاح العالمي
خامسا : . المتطلبات الأخلاقية في الإعلام والصناعة الثقافية
1-أهم المبادئ الأخلاقية المطلوبة:
احترام الكرامة الإنسانية وعدم نشر خطاب الكراهية
حماية الطفولة والقاصرين من المضامين الضارة
احترام التنوع الثقافي واللغوي في المغرب
نبذ التسطّح والابتذال التجاري
الأمانة الفكرية واحترام حقوق المؤلف
تجنّب تزييف الوعي والتلاعب بالرأي العام
2- إشكاليات أخلاقية مطروحة:
الابتذال في المحتوى الثقافي من أجل الربح السريع
تضخيم الفرجة على حساب القيمة الفكرية
انتشار الأخبار الزائفة والمحتوى المقرصن
التأثير التجاري للشركات والمنصات على حرية الإبداع
سادسا : .ضوابط التشريع في الواقع المغربي .
يمكن تلخيص الإطار القانوني المغربي في ما يلي:
قوانين تنظيم الصحافة والنشر
قوانين الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة
قوانين السمعي البصري وتنظيم القنوات والإذاعات
تشريعات مرتبطة بحماية الطفل والخصوصية والمعطيات الشخصية
دعم الدولة للثقافة عبر برامج ومؤسسات رسمية
أدوار التشريع
حماية المبدع وحقوق الملكية الفكرية
حماية الجمهور من المحتويات الضارة أو المتطرفة
تنظيم السوق الثقافية ومنع الاحتكار
تحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية
سابعا : . الإشكاليات والتحديات في التجربة المغربية
ضعف الربط بين الإبداع الثقافي والاقتصاد الثقافي
منافسة المحتوى الأجنبي للمنتج المحلي
صعوبات التمويل والتوزيع
القرصنة الرقمية وانتهاك حقوق المؤلف
تفاوت كبير بين المدن والقرى في الولوج إلى الثقافة
الحاجة لتطوير التربية الإعلامية لدى الشباب
ثامنا : . نحو رؤية إصلاحية وتوصيات :
تقوية التعليم الفني والثقافي في المدرسة
تشجيع الاستثمار في الصناعات الثقافية الشابة والرقمية
تعزيز الشراكة بين الإعلام العمومي والقطاع الثقافي
مراجعة بعض النصوص القانونية لتواكب التحول الرقمي
نشر ثقافة أخلاقيات الإعلام والتربية على المواطنة الرقمية
دعم المبادرات المحلية والجهوية لتقليص الفوارق المجالية
تاسعا: خاتمة
تبيّن الدراسة أن العلاقة بين الصناعة الثقافية والإعلام في المغرب علاقة تكاملية معقّدة، تجمع بين فرص كبيرة للتنمية والإشعاع، وبين إكراهات تشريعية وأخلاقية واقتصادية تحتاج إلى معالجة منهجية. إن بناء صناعة ثقافية قوية يستلزم إعلامًا مسؤولًا، وتشريعات عادلة، وأخلاقًا مهنية تُوازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع والهوية…….
☆محمد الغياط باحث جامعي في مهن الاعلام والصناعة الثقافية الرباط في 13\1\2026

