بلا روتوش الحلقة 30/11 حين تتحوّل الخدمة العمومية إلى إساءة عمومية

0

الكارح ابو سالم

ليست القنوات العمومية ملكاً لإداراتها، ولا لنجومها، ولا لشركات الإنتاج التي تتناوب على دفاتر التحملات كما لو كانت غنيمة موسم. هي ملك للمغاربة جميعاً؛ تُموَّل من جيوبهم، وتُفترض فيها رسالة واضحة: خدمة عمومية بمحتوى تربوي ومعرفي وثقافي يحترم ذكاء المجتمع وقيمه.

لكن ما الذي يحدث اليوم؟

صدفةٌ عابرة قادتني إلى لقطات من مسلسل بنات لالة منانة على القناة الثانية، فكانت الصدمة. حوارٌ ساقط، إيحاءات مبتذلة، كلمات جارحة تُقال أمام فتاة في زقاق شعبي مع والدتها ، من قبيل “داك ولاد لحرام لي شادك ف الركنة”… إلى آخر ما يفهمه الكبير قبل الصغير. أيُّ رسالة تُمرَّر هنا؟ وأيُّ تربية يُراد ترسيخها؟ وهل صار الابتذال بديلاً عن الجرأة، والانزلاق اللغوي بديلاً عن الواقعية؟
الأخطر ليس في لفظةٍ عابرة، بل في التراكم. مشهد طفل يستخرج سيجارة ويشعلها كأن الأمر تفصيل عادي. لقطة جاكوزي بلا ضرورة درامية. كؤوس خمر تُقدَّم باعتبارها جزءاً من “الحياة العصرية”. قبلة تُمرَّر بلا سياق فني مقنع. ليست المشكلة في وجود هذه العناصر في حد ذاتها، بل في طريقة تقديمها، في غياب التحفظ، وفي انعدام الحسّ بالمسؤولية تجاه جمهور ناشئ يتعلّم بالمشاهدة قبل التلقين.
كيف لأبٍ أو أم أن يشرحا لطفل معنى كلمة موغلة في الإساءة؟ كيف يبرّران له مشهداً يُطبع في ذاكرته دون فلترة؟ هل نطلب من الأسر أن تقوم بدور الرقيب بدل المؤسسة؟ أم نُحمّل المجتمع عبء أخطاء التحرير والكتابة والإخراج؟

في التجارب الدرامية العالمية، يُفصل غالباً بين كاتب السيناريو وكاتب الحوار، لأن الحوار ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو أداة تأثير شفاهي مباشر، يحتاج إلى تمحيص مضاعف قبل البث. أما عندنا، فيبدو أن “الواقعية” تُتَّخذ ذريعة لتمرير لغة سوقية بلا ضوابط، وكأن الشارع لا يُمكن تمثيله إلا بلسانه الأكثر انحطاطاً.
السؤال الذي يفرض نفسه: أين لجان القراءة والمشاهدة داخل القنوات؟ أين معايير البث في قنوات عمومية يفترض أن تحترم دفتر التحملات؟ وأين دور الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في التتبع بعد البث؟ أليست مهمتها حماية التعددية والكرامة الإنسانية وصون القاصرين من المضامين المؤذية؟ أم أن دورها يقتصر على البلاغات الموسمية؟
المسألة لا تخص القناة الثانية وحدها. على القناة الأولى كما على القناة الثامنة الأمازيغية، تتكرر اختلالات مشابهة بدرجات متفاوتة. وكأننا أمام عدوى إنتاجية عنوانها: نسب مشاهدة سريعة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن تمييع الذوق العام.
ليست الدعوة إلى رقابة خانقة أو إلى دراما وعظية جافة. بل إلى حدٍّ أدنى من الاحترام. احترام عقل المشاهد، وخصوصية الأسرة المغربية، وتنوعها الثقافي، وحساسيتها الأخلاقية. الجرأة ليست شتيمة، والحداثة ليست خلعاً للسياق، والواقعية ليست ترويجاً للسلوك.
القنوات العمومية ليست حلبة تجارب. هي مرآة بلد. فإذا تشققت المرآة، انعكس التشوه على الصورة كلها. ومن حق المغاربة أن يسألوا، بصوتٍ عالٍ: هل ما يُبث اليوم يرتقي إلى مستوى “الخدمة العمومية”؟ أم أننا أمام خدمةٍ أخرى… لا عمومية فيها إلا فاتورة الاداء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.