لماذا لا يغادر أخنوش الحزب؟ بين منطق الأشخاص ومنطق المؤسسات
بقلم الدكتور جمال العزيز
لا يقاس نضج الأحزاب السياسية بمدى تمسكها بالأشخاص، بل بقدرتها على الإستمرار بعدهم. فالأحزاب التي تُختزَل في زعيم، مهما بلغت قوته أو ظرفيته، تتحول مع الزمن إلى هياكل هشة، تُدار بالولاء دون رؤية، و بالإنتظار . ومن هنا، يطرح سؤال بقاء عزيز أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار نقاشا أعمق من مجرد قرار شخصي، لأنه يكشف عن طبيعة العلاقة بين الفرد والمؤسسة داخل الحقل الحزبي.
إن المتأمل في النقاشات الدائرةاليوم داخل بعض الدوائر الحزبية يلاحظ أن هناك من يدافع بشراسة عن بقاء أخنوش، لا انطلاقا من إيمان صريح بالمشروع الحزبي أو بالعمل المؤسساتي، بل لأن وجوده يشكل لهم مظلة سياسية، ورافعة مصلحية، وضمانة للإستمرار داخل مواقع النفوذ. هؤلاء لا يخشون فراغ القيادة بقدر ما يخشون انكشاف هشاشتهم خارج ظل الزعيم. ولذلك، فإن مغادرة أخنوش بالنسبة لهم لا تعني فقط نهاية مرحلة، بل بداية تآكل أدوارهم، وربما انتقالهم إلى فضاءات حزبية أخرى بحثا عن حماية جديدة.
غير أن السياسة، حين تدار بهذا المنطق، تفقد بعدها التأسيسي؛ وتتحول إلى رهانات فردية مؤقتة. فالتاريخ السياسي، في المغرب و غيره، يُثبِت أن الأشخاص يذهبون، مهما طال بقاؤهم، بينما تبقى المؤسسات وحدها القادرة على الإستمرار. أخنوش ليس استثناء في هذا السياق ( لا يمكن إنكار ما راكمته الحكومة الحالية من إنجازات مهمة بقيادة عزيز أخنوش،بإطلاق أوراش كبرى ذات بعد اجتماعي وتنموي واضح) ؛ فقد جاء كما جاء غيره، وسيغادر كما غادر من قبله، وسيأتي بعده من يتحمل المسؤولية في سياق مختلف.
الفرق الجوهري لا يكمن في ذهاب شخص أو بقائه، بل في ما إذا كان الحزب قادرا على الإستمرار خارج منطق الشخصنة. فالمؤمن الحقيقي بالعمل المؤسساتي لا يربط مصيره بمغادرة زعيم أو استمراره، لأنه يدرك أن البناء الحزبي فعل تراكمي، وأن قوة الحزب تقاس بمناضليه، وبقدرة نُخَبه على التداول، وبمرونته في إنتاج القيادة، لا بتقديسها.
إن من كان يتملق لأخنوش سيغادر معه أو قبله، لأن علاقته بالحزب لم تكن يوما علاقة مشروع، بل علاقة منفعة. أما من يؤمن بالمغرب، وبالعمل السياسي كأداة لبناء الدولة والمجتمع، فسيستمر في البناء، سواء كان أخنوش حاضرا أو غائبا. فالأحزاب وُجِدت لخدمة الوطن، والسياسة تُمارَس لتوسيع أفق الدولة، لا لتأمين المسارات الفردية.
إن اللحظة الراهنة تفرض إعادة طرح سؤال جوهري: هل نريد أحزابا تدار بمنطق الزعامة، أم مؤسسات سياسية قادرة على إنتاج المعنى والإستمرارية؟ الجواب عن هذا السؤال لا يرتبط بمصير شخص، بل بمستقبل العمل الحزبي نفسه. ومن يراهن على المؤسسة يربح الزمن، ومن يراهن على الأشخاص يخسر عند أول منعطف.


