بلا روتوش- الحلقة 20/13 المغرب و ايران حدود التقارب وسقف القطيعة لا للانسياق نعم لميزان المصلحة الوطنية

0

الكارح ابو سالم

في كل موجة توتر إقليمي، تعود إلى الواجهة نبرة حماسية تختزل العلاقات الدولية في شعارات جاهزة، وتدفع البعض إلى الاصطفاف العاطفي دون استحضار الذاكرة السياسية للدولة. في خضم التصعيد الذي تعرفه المنطقة، يبرز سؤال العلاقة بين المغرب وإيران كأنه موضوع طارئ، والحال أنه ملف ثقيل بالتراكمات، لا يُقرأ بلحظة انفعال، بل بسياق ممتد لأكثر من أربعة عقود.
حين اندلعت الثورة الإسلامية سنة 1979 بقيادة روح الله الخميني، لم يكن الأمر مجرد انتقال سلطة، بل انقلاباً إيديولوجياً أعاد تعريف مفاهيم الشرعية والتحالف في المنطقة. المغرب، الذي كان يقوده آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه ، لم ينخرط في ردود فعل متسرعة، لكنه قرأ جيداً طبيعة الخطاب الجديد العابر للحدود. استقبال محمد رضا بهلوي سنة 1981 لم يكن خطوة بروتوكولية عابرة، بل رسالة سياسية مفادها أن الرباط تتحرك وفق وفاء لتحالفاتها ورؤية استراتيجية واضحة، لا وفق ضغط الشارع أو تغير المزاج الإقليمي. ومنذ تلك اللحظة دخلت العلاقات مرحلة شد وجذب، عنوانها الأكبر: الحذر.
الحذر ازداد حين لامست بعض المواقف الإيرانية جوهر القضية الوطنية. في ملف الصحراء المغربية، لا يقبل المغرب أنصاف المواقف. وحدته الترابية ليست ورقة تفاوض، بل ثابت دستوري وإجماع وطني. لذلك، فإن أي تقارب مع أطراف معادية للمملكة يُقرأ في الرباط كمساس مباشر بأمنها القومي، لا كمجرد اختلاف دبلوماسي. ومع ذلك، لم تتبنَّ الدولة المغربية سياسة القطيعة الدائمة. في مطلع التسعينيات، عادت العلاقات، وافتُتحت السفارة الإيرانية في الرباط، في إشارة إلى استعداد المغرب لطي صفحة التوتر إذا توفرت شروط الاحترام المتبادل.
غير أن التجربة أثبتت أن الثقة كانت دائماً مشروطة. سنة 2009، قطعت الرباط علاقاتها بطهران على خلفية تصريحات إيرانية بشأن البحرين، اعتبرتها المملكة مساساً بسيادة دولة عربية. لم يكن القرار انفعالاً ظرفياً، بل تعبيراً عن مبدأ ثابت، رفض أي خطاب يُفهم كامتداد لنفوذ إقليمي يتجاوز حدوده. ثم جاء قرار 2018، حين أعلنت المملكة قطع العلاقات مجدداً بدعوى وجود دعم عسكري ولوجستي لما يسمى جبهة البوليساريو عبر قنوات إقليمية. بالنسبة للمغرب، لم يكن ذلك تفصيلاً سياسياً، بل تهديداً مباشراً لوحدتها الترابية. وهنا تحركت الدولة بالمنطق ذاته الذي حكم مواقفها السابقة: المصالح العليا أولاً.
هذا المسار التاريخي كفيل بأن يوضح طبيعة العلاقة: ليست عداءً أبدياً، وليست تحالفاً مبدئياً، بل علاقة اختبار دائم تُقاس بميزان الاحترام المتبادل وعدم المس بالثوابت ،لذلك يبدو غريباً أن ينساق بعض الأصوات اليوم خلف خطاب تضامن مطلق، وكأن السياسة الخارجية تُبنى على التعاطف الإيديولوجي لا على حسابات الدولة. فبينما عرف الداخل الإيراني خلال السنوات الأخيرة احتجاجات اجتماعية وسياسية واسعة، تعكس تعقيدات المشهد هناك، يجري أحياناً تقديم الصورة في المغرب بلون واحد، بلا قراءة نقدية أو استحضار للسياق الوطني.
المفارقة أن الحماسة التي تُبذل في الدفاع عن خيارات دول بعيدة، لا تُستحضر بالحدة نفسها حين يتعلق الأمر بقضايانا الحيوية. هنا يكمن جوهر الإشكال: ليس في حق أي مواطن في التعبير عن رأيه، بل في القفز على تراكم تاريخي يُظهر أن العلاقة مع إيران مرت بمحطات توتر مرتبطة مباشرة بمصالح المغرب العليا.
السياسة الخارجية للمملكة لم تكن يوماً رهينة مزاج الشارع أو الاصطفاف الإيديولوجي. هي مجال سيادي يؤطره جلالة الملك بصفته رئيس الدولة، ضمن رؤية استراتيجية تقوم على البراغماتية وتنويع الشراكات وتفادي الارتهان لمحاور متصارعة. هذا ما يفسر قدرة المغرب على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته الدولية، وعلى اتخاذ قرارات حاسمة حين تُختبر ثوابته.
في زمن الاستقطاب الحاد، يسهل تبسيط العالم إلى معسكرين، لكن الدول لا تُدار بمنطق المدرجات. تاريخ العلاقة بين الرباط وطهران يبين أن المغرب لا يعادي من أجل العداء، ولا يتحالف من أجل الشعار. يمد يده حين تتوفر شروط الاحترام، ويقطعها حين تُمس مصالحه. وبين هذين الحدين، تبقى القاعدة واضحة: سيادة القرار الوطني، وحدة التراب، واستقلالية التموضع.
من يفهم هذا المسار، يدرك أن الاصطفاف العاطفي لا يخدم الوطن، وأن قراءة العلاقات الدولية تحتاج إلى ذاكرة سياسية لا إلى اندفاع لحظي. فالدولة التي خبرت التحولات الكبرى، لا تُساق بالشعارات، بل تحكمها معادلة واحدة لا تتغير: المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.