الگارح ابو سالم
ما يجري اليوم على هامش تداعيات نهائي كأس أفريقيا ، والأحكام النزيهة التي طالت 18 مشجعا سينغاليا قاموا بافعال يجرمها القانون المغربي ، ليس أزمة بين دولتين، بل موجة انفعال عابرة تحاول بعض الأصوات تضخيمها خارج سياقها الطبيعي بتأطير من المخابرات الجزائرية ، أما الحقيقة الأعمق، فهي أن ما يجمع المغرب والسينغال أكبر بكثير من أن تعكره حادثة شغب أو منشور غاضب على منصات التواصل.

الأحكام التي صدرت عن القضاء المغربي في حق مشجعين تورطوا في اعتداءات على عناصر أمنية والجماهير المغربية ، وتخريب ممتلكات تندرج ضمن التطبيق الصارم للقانون. دولة المؤسسات لا تتصرف بمنطق المجاملة، ولا تُفرّق بين جنسية وأخرى عندما يتعلق الأمر بحماية النظام العام. ومن يطالب بتجاوز ذلك بدعوى الأخوة، يسيء – من حيث لا يدري – إلى جوهر هذه الأخوة نفسها، لأن العلاقات المتينة لا تُبنى على استثناءات ظرفية بل على احترام متبادل للسيادة والقانون.
غير أن خطورة اللحظة لا تكمن في الأحكام القضائية بقدر ما تكمن في محاولة البعض تحويل حادثة رياضية إلى مادة تعبئة سياسية واقتصادية، عبر الدعوة إلى مقاطعة السلع المغربية في السنغال. هنا تحديداً ينبغي التوقف. لأن منطق المقاطعة، حين يُستدعى في غير سياقه، يتحول إلى أداة انفعالية تضرب مصالح المواطنين قبل أن تمس الدول. العلاقات التجارية بين الرباط ودكار ليست أرقاماً في ميزان مبادلات فقط، بل شبكة مصالح متبادلة، واستثمارات، وفرص شغل، وتكامل اقتصادي راكمه الطرفان على مدى عقود.
لقد كانت السنغال دائماً أحد أقرب الحلفاء الأفارقة للمغرب، ليس فقط سياسياً، بل روحياً أيضاً. الروابط الصوفية العريقة، وحضور الزوايا والتيجانية، والتقدير المتبادل بين المؤسستين الدينيتين، شكّلت جسراً عابراً للحدود، سابقاً للسياسة ولاحقاً لها. وحين عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، كانت دكار من بين العواصم التي دعمت هذا التوجه بقناعة راسخة بأن الشراكة مع الرباط خيار استراتيجي لا تكتيكي.

سياسياً، نسج البلدان تنسيقاً وثيقاً داخل القارة، ووقفا في محطات مفصلية على أرضية المصالح الإفريقية المشتركة. اقتصادياً، أصبحت الاستثمارات المغربية في السنغال جزءاً من بنيتها المالية والخدماتية، فيما ظلت دكار بوابة طبيعية للمغرب نحو غرب إفريقيا الأطلسي. فهل يُعقل أن تُختزل هذه المعادلة في توتر رياضي عابر؟
الحكمة التي أبانت عنها القيادتان في البلدين حتى الآن تعكس وعياً بأن منطق الدولة يعلو على منطق الشارع الرقمي. فطلب العفو، إن تم، يظل مسطرة دستورية سيادية، وتفعيل اتفاقيات نقل المحكوم عليهم يندرج ضمن القانون الدولي الثنائي، لا ضمن منطق الضغط أو الابتزاز. الفرق جوهري بين أن تتحاور الدول عبر مؤسساتها، وأن تنجرّ خلف حملات تعبئة عاطفية قد تستثمر فيها أطراف خارجية لا يسرّها أن ترى محور الرباط–دكار متماسكاً.
التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يهدد العلاقات بين الدول ليس الخلاف في حد ذاته، بل سوء تدبيره. أما حين يُدار الخلاف بعقل بارد، فإنه يتحول إلى فرصة لإعادة تأكيد الثوابت. وفي الحالة المغربية–السنغالية، الثابت واضح: شراكة استراتيجية، عمق روحي، تقاطع مصالح، ورؤية إفريقية مشتركة. كرة القدم، مهما عظمت رمزيتها، تظل مباراة تنتهي بصافرة. أما العلاقات بين الدول فتُقاس بسنوات الثقة المتراكمة.
على الحكومة السنغالية، وهي المعروفة ببراغماتيتها، أن تستحضر منطق الدولة في التعاطي مع هذا الملف: حماية مصالح مواطنيها عبر القنوات القانونية، دون السماح بانزلاق الخطاب نحو ما قد يضر بمصالح أوسع. وعلى النخب في البلدين أن تتحمل مسؤوليتها في التهدئة، لا في صب الزيت على النار. لأن أي انجرار نحو تعليق مصالح ضيقة أو إطلاق دعوات رمزية قد يُفهم خطأ، سيكون في النهاية ضرباً لإرث تاريخي مشترك لا يقدّر بثمن.
ما يحدث اليوم ليس أزمة بقدر ما هو اختبار نضج. وإذا كان للتاريخ كلمة، فإنه يقول إن الرباط ودكار تجاوزتا ما هو أعقد من مباراة كرة قدم. بل إن مثل هذه العثرات، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تتحول إلى لحظة تقوية للعلاقة، عبر تجديد التأكيد على أن الأخوة الحقيقية لا تُختبر في لحظات الصفاء، بل في لحظات التوتر.
لهذا، فإن إعادة الأمور إلى نصابها لا تحتاج إلى خطابات عالية السقف، بل إلى تثبيت بديهي: القانون يُحترم، السيادة تُصان، والمصالح المشتركة تُحمى. وما عدا ذلك ضجيج عابر. وفي ميزان الدول، الضجيج لا يصمد أمام ثقل التاريخ .
