عمال الإنعاش: الجنود المجهولون في خدمة المدينة
بقلم : الدكتور جمال العزيز
في تفاصيل الحياة اليومية للمدينة، هناك وجوه لا تتصدر العناوين وأياد تعمل في صمت، تسبق الجميع إلى الميدان وتغادره بعد الجميع. هم أول من يباشر تنظيف الشوارع وصيانة الفضاءات ومواكبة الأوراش، وآخِر من يُسأَل عن ظروف اشتغالهم. عمال الإنعاش جنود مجهولون يسهرون على انتظام المرفق العمومي، ويحافظون على صورة المدينة واستقرار خدماتها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما يزال الإطار المنظم لوضعيتهم قادرا على مواكبة التحولات التي تعرفها الجماعات الترابية؟

لقد نشأ نظام الإنعاش الوطني بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.61.205 الصادر سنة 1961 في سياق اجتماعي يروم امتصاص البطالة والهشاشة عبر أوراش ذات طبيعة موسمية. وقد أدى هذا النظام وظيفة اجتماعية مهمة في مراحل تاريخية مفصلية، وأسهم في إنجاز مشاريع وطنية كبرى ؛ وكان أداة تضامن فعَّالة في زمن كانت فيه الدولة تبحث عن آليات سريعة لتأمين دخل للفئات الضعيفة. غير أن التحولات التي عرفها المغرب، واتساع اختصاصات الجماعات الترابية، وتزايد انتظارات المواطنين من حيث جودة الخدمات وسرعة الإنجاز، جعلت هذا الإطار القانوني يواجه اليوم تحديات حقيقية تتعلق بملاءمته مع واقع ميداني تغيَّر بشكل كبير.
ففي الممارسة العملية، يشتغل عمال الإنعاش داخل الجماعات الترابية والإدارات العمومية في مجالات متعددة، تتوزع بين مهام النظافة والصيانة والدعم التقني والإداري، كما تتداخل أدوارهم أحيانا مع قطاعات يتم تدبيرها عبر آليات مختلفة. وهذا المعطى يؤكد أن حضورهم أصبح جزءا فعليا من المنظومة التشغيلية اليومية للخدمة العمومية المحلية، بما يجعل إعادة تنظيم وضعيتهم مسألة ترتبط بجودة التدبير الترابي واستدامته.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال الأدوار ذات البعد الإستراتيجي التي اضطلع بها عمال الإنعاش في أقاليمنا الجنوبية، حيث ساهموا في دعم استقرار المرافق العمومية ومواكبة المشاريع التنموية في مناطق ذات حساسية خاصة. لقد شكل حضورهم هناك دعامة عملية لاستمرارية الخدمات وتعزيز البعد الإجتماعي للدولة في ارتباط وثيق برهانات التنمية والوحدة الترابية.
لقد راكم عدد كبير من هؤلاء العمال خبرات مهنية مهمة، وبعضهم يتوفر على مؤهلات علمية وتقنية، وأسهموا لسنوات طويلة في استمرارية المرفق العام. ومن الإنصاف التنويه بما يقدمونه يوميا في صمت، وبما يتحملونه من مسؤوليات ميدانية، رغم غياب مسار مهني واضح. فكرامة هذه الفئة لا تنفصل عن كرامة الخدمة العمومية نفسها.
غير أن استمرار الطبيعة غير الدائمة لوضعيتهم القانونية، واحتساب أجورهم على أساس الحد الأدنى للأجر الفلاحي دون إغفال اجتهاد مجموعة من المجالس الترابية في تقديم مساعدات موسمية مهمة لهاته الفئة، تفرض التفكير في إصلاح متدرج ومتوازن، لا يقوم على الصدام بين البعد الإجتماعي ومتطلبات القانون، بل على تحديث الإطار المنظم في انسجام مع المبادئ الدستورية لتكافؤ الفرص والإستحقاق، ومع متطلبات الحكامة الجيدة واستدامة المالية العمومية.
إن التنزيل الفعلي والكامل للجهوية المتقدمة يشكل مدخلا مؤسساتيا مُهمًّا لإعادة توزيع الإختصاصات وتوسيع هامش المبادرة الترابية، بما يسمح بابتكار حلول تنظيمية أكثر ملاءمة للواقع المحلي. وفي هذا السياق، يمكن التفكير في نمط مبتكر لتدبير وتشغيل هذه الفئة، من خلال إحداث شركات التنمية المحلية أو مجموعات تدبير ترابية خاصة بالإنعاش الوطني، تعمل وفق عقود أهداف واضحة، وتخضع لحكامة شفافة وتضمن تأطيرا مهنيا وتكوينا مستمرا، مع ربط الأداء بالنجاعة.
ومن منظور استشرافي، يمكن بلورة مسار إصلاحي يقوم على تشخيص دقيق للحاجيات الفعلية داخل الجماعات، وتعزيز التكوين والتأهيل، وإدماج كامل وفعال في منظومة الحماية الإجتماعية، واعتماد حكامة واضحة تضبط المعايير وتربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن عمال الإنعاش ليسوا مجرد رقم في معادلة التدبير الترابي كما يراه بعض السياسويين، لكن هم جزء من النسيج الإجتماعي للمدينة، ومساهمون فعليون في الحفاظ على جاذبيتها ونظافتها وتنظيم فضائها العام. وتطوير هذا الملف، في إطار إصلاح متدرج ومسؤول، يمكن أن يحول نظام الإنعاش إلى رافعة تنموية حقيقية، في انسجام مع روح الجهوية المتقدمة وطموح مغرب يجعل الإنسان محور كل إصلاح.
