بين مقامرة التغيير وحتمية الاستمرار: وليد الركراكي وصيانة المكتسبات

0

بقلم: محمد أشرف أبرون

الإنسان بطبعه يخاف أو بمعنى أصح يخشى التغيير و يقاومه، يخشاه و يقاومه لأنه يجهل ما قد يحمله من متغيرات و يُفضّل أن يكتفي بحالته التي هو عليها خوفا من أن تسوء بعد التغيير.

كانت هاته فقط مقدمة بسيطة لأبرر موقفي من قراءتي لخبر نهاية حقبة وليد الرگراگي مع المنتخب، الحقيقة أنني أحسست بإحساس غريب، صُدِمت صراحة و أحسست بتخوف و كأني لم أكن أريد رحيل وليد الآن و في هذا الوقت بالتحديد. لا أخفي أن وليد شخص عزيز على قلبي و أحبه كثيرا كصديق و أحبه كثيرا أيضا بصفته مدريا وطنيا كَوْني مغربي عاشق للمنتخب الوطني خاصة بعد ما تحقق من إنجازات كبيرة للكرة المغربية في عهده، لكن رفضي تَقَبُّل ما قرأته اليوم بعيد كل البعد عن العاطفة و الأحاسيس، رفضي هذا نابع من تخوف من التغيير كأي إنسان عادي و من تخوف من المستقبل و ما يمكن أن يحمله من أخطار كشخص خبر التسيير الرياضي و عمل بمجال الكرة لفترة ليست بالهينة، فأنا أؤمن أن التغيير في الكرة سيف ذو حدين، إما أن يرفعك لمستويات كبرى لم تتوقعها أبدا و لم تخطر لك يوما على البال أو أن يكون سببا في اندحارك و نزولك من القمة خاصة بعد تحقيقك لنتائج مبهرة.

لنوضح؛ عندما خَلَف وليد وحيد، كان المنتخب مهزوزا و كان للمدرب وحيد خاليلوزيتش آنذاك مشاكل كثيرة مع بعض اللاعبين المميزين، كما أن تغيير المدرب جاء بعد مباراة كارثية أجراها منتخبنا بالديار الأمريكية و انهزم فيها بثلاثية نظيفة مع أداء كارثي. لم يكن التغيير آنذاك مقامرة و لا مغامرة غير محسوبة العواقب بل كان استغلالا لظرفية صعبة كنا نعيشها و محاولة زرع روح جديدة و دينامية إيجابية بالمجموعة خاصة بإصلاح العلاقة مع لاعبين يحبهم الجميع و إعادتهم للفريق الوطني في خطوة استحسنها الجميع، إضافة إلى أمور أخرى تم الاشتغال عليها و إصلاحها فكان لكل هذا الوقع الإيجابي الكبير في تغيير تلك الدينامية السلبية السائدة داخل المجموعة و التي صاحبتها كثرة الانقسامات وتذمر بعض اللاعبين سواء منهم المدعوين أو المستبعدين في فترة وحيد إلى حيوية متدفقة و تآزر تشاركي و عمل جماعي بدينامية جد إيجابية و كل هذا أدا إلى تناغم وظيفي كبير بين كل أفراد النخبة الوطنية حققنا به شيئا لم نكن نتوقعه أبدا و الفضل في ذلك يعود للجميع جمهورا و إداريون و لاعبون و أطقما لكن الفضل الأكبر كان للمدرب وليد و هذا أمر وجب الاعتراف به، فهو مهندس الإصلاحات و هو أول من ضخ تلك الروح الجماعية في أنفس اللاعبين و في محيط المنتخب و الجامعة ككل.

لنعود لليوم و للتخوف و للنفس البشرية التي غالبا ما تقاوم التغيير، و لنحسبها و نحللها كما حللنا المرحلة السابقة، لكن بعجالة و بدون الرجوع إلى تفاصيل مستهلكة يعلمها الصغير قبل الكبير و البعيد عن الكرة قبل المتتبع لأدق التفاصيل، اليوم هناك واقع يقول أننا نعيش أزهى فترات الكرة الوطنية عبر التاريخ، يقول أيضا أننا حققنا أرقاما إعجازية غير مسبوقة لا قاريا و لا عربيا و لا حتى دوليا، نفس الواقع يقول أن من يفوز بالألقاب عليه أن يتدرج و يخفق و يستفيد من الإخفاق ليستطيع التغلب على تلك التفاصيل البسيطة التي منعته من تحقيق اللقب و يعيد الكرة حتى يفوز بالنهائي، فالوصول للنهائي لم يُعتبر يوما و على مر تاريخ الكرة فشلا و لم يكن أبدا نهاية مرحلة بل بالعكس هو غالبا ما يكون بداية مرحلة لتحقيق الألقاب، و لكم في من سرقوا اللقب من الرباط خير دليل, احتفظوا بمدربهم لمدة تقارب التسع سنوات لعب فيها أربع دورات، خروج من الربع في الأولى ثم خسارة نهائي في الثانية و فاز بالكأس في المشاركة الثالثة… و الأمثلة الناجحة كثيرة جدا في ما يخص الاستقرار التقني. التخوف الحقيقي اليوم هو أن من سيأتي لمنتخب آخر ما حققه في كأس العالم هو المرتبة الرابعة، عليه إن كان سيتحمل المسؤولية أن يعد المغاربة بإنجاز أفضل مما تحقق أو على الأقل معادلته، و هذا أمر أراه من منظوري الشخصي صعب جدا لأن الظروف اليوم ليست هي ظروف قطر و الوضع اليوم مختلف عن سالفه بقطر، اليوم أنا أؤمن أن الاستمرار مع وليد أمر حتمي و مفروض و علينا على الأقل الاستمرار مع الرجل إلى كاس العالم و بعدها نرى ما سيحدث، سيقول البعض أن وليد ارتكب أخطاء و سأوافقهم الرأي لكن من يعمل يخطئ و الذكي يصلح أخطاءه و وليد نعرفه جيدا و نعرف ذكاءه و دهائه و نعرف أنه يستفيد من أخطائه، لكني لن أوافقهم الرأي في رحيله الآن لأني لا أريد أن أهدي مدربا مغربيا وصل إلى نصف نهائي الكاس العالمية، خَبِر خباياها و يختزن في جعبته أسرارها كما أنه يمتلك شفرة العبور للأدوار المتقدمة، لن أهديه على طبق من ذهب لمنتخب آخر.

و لكم واسع النظر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.