الكارح أبو سالم ؛
مع تزامن نشر التعديلات الجديدة في الجريدة الرسمية ودخول القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب حيز التنفيذ، ومع عرض زينب العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، لتقرير مؤسستها أمام البرلمان، لم يعد ممكناً الاستمرار في تقديم القوانين الانتخابية كتمارين تقنية معزولة عن السياق السياسي العام. فنحن أمام لحظة دالة تكشف تناقضاً صارخاً بين تشدد تشريعي يُراد به إعادة ضبط شروط الولوج إلى البرلمان باسم النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبين تساهل عملي يطبع التعامل مع اختلالات خطيرة داخل الأحزاب السياسية نفسها. فالقانون الجديد يُدخل منطق السوابق القضائية والإدارية إلى قلب العملية الانتخابية، ويضع حداً لمرحلة طويلة طبعها التساهل مع منتخبين وجدوا في صناديق الاقتراع وسيلة للعودة بعد العزل أو الإدانة، في رسالة واضحة مفادها أن السياسة لم تعد ملاذاً آمناً لمن أسقطهم القضاء أو عرتهم المحاكم.
غير أن هذا التشدد، الذي يُحسب تشريعياً لوزارة الداخلية في ما يخص كبح عودة المعزولين والمدانين من الشباك الانتخابي، يكشف في المقابل عن مفارقة مقلقة حين ننتقل من الأفراد إلى التنظيمات السياسية. ففي الوقت الذي يُقصى فيه المرشح بسبب حكم أو عزل أو شبهة مساس بالمال العام، تُترك أحزاب كاملة في مأمن من أي جزاء سياسي أو قانوني، رغم ما كشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات، كما قدمته العدوي، من تخلف عدد من الأحزاب عن إعادة الأموال العمومية التي تلقتها خلال الاستحقاقات الانتخابية الماضية، وعجزها عن تبرير صرفها بوثائق وفواتير قانونية مضبوطة كما يفرض القانون.
هنا ينتقل النقاش من مستوى الأخلاق السياسية إلى سؤال جوهري حول العدالة الانتخابية نفسها، إذ كيف يمكن لأحزاب لم تُصفِّ ذمتها المالية مع الدولة أن تدخل انتخابات جديدة وكأن شيئاً لم يكن، بينما يُحرم أفراد من حق الترشح بسبب اختلالات أقل خطورة في ميزان المال العام؟ ولماذا يُطبّق منطق الصرامة حين يتعلق الأمر بالأشخاص، ويتحول إلى تساهل مريب عندما يكون المعني هو حزب سياسي؟ فالأموال التي لم تُعاد ليست تفصيلاً محاسبياً عابراً، بل مال عام خُصص لتنافس يفترض فيه الشفافية والالتزام، وعندما يُهدر دون تبرير فإننا نكون أمام إخلال واضح بقواعد النزاهة، لا يقل خطورة عن سوء التدبير الذي يؤدي إلى العزل.
الأكثر إثارة للقلق أن هذا الإخلال يمر في صمت شبه كامل، وكأن تقارير المجلس الأعلى للحسابات وُجدت فقط للتشخيص لا للمساءلة، وللتنبيه لا للزجر. لماذا لم تُفعّل إلى اليوم مقاربة عقابية واضحة في حق هذه الأحزاب؟ ولماذا لم يُربط الحق في الاستفادة من الدعم العمومي أو المشاركة في الاستحقاقات المقبلة بتصفية الذمة المالية بشكل كامل؟ أليس من البديهي أن من يعجز عن احترام قواعد التمويل العمومي لا يملك شرعية أخلاقية لطلب ثقة الناخبين من جديد؟
إن التساهل مع هذه الوضعية لا يبعث سوى برسالة واحدة مفادها أن القانون قابل للتجزئة، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة يُرفع كشعار عندما يكون الثمن سياسياً محدوداً، ويُطوى عندما يهدد توازنات حزبية قائمة. وبهذا المنطق، تُفتح الأبواب لإعادة إنتاج الاختلالات نفسها في كل استحقاق، ما دام أقصى ما قد تواجهه الأحزاب هو ملاحظة واردة في تقرير رسمي سرعان ما يُنسى.
نحن مقبلون على انتخابات يُفترض أن تكون عنواناً للتجديد واستعادة الثقة، غير أن هذه الثقة تبقى وهماً في ظل السماح لأحزاب لم تُرجع أموالاً عمومية ولم تبرر مصاريفها بالدخول إلى السباق دون تصفية ذممها ودون أي أثر رادع. فإذا كان العزل نهاية سياسية للفرد، فلماذا لا يكون الإخلال المالي نهاية سياسية للحزب؟ وإذا كان المال العام خطاً أحمر في الخطاب، فلماذا يتحول في الممارسة إلى منطقة رمادية؟ إن الخلل هنا لا يخص الأحزاب المعنية وحدها، بل يطال منظومة كاملة تختبر اليوم صدقية خيارها بين محاسبة حقيقية تُطبق على الجميع، أو تطبيع صامت مع الإخلال قبيل استحقاقات يُراد لها أن تبدو ديمقراطية أكثر مما هي عادلة

