لقاء مدريد السري يضع الجزائر تحت الضغط: إما التفاوض الجدي أو العزلة الدولية

0

الكارح أبو سالم :

تحت ظلال السفارة الأمريكية في مدريد، تتجه الأنظار إلى الاجتماع السري الذي طال انتظاره، حيث سيطرح ناصر بوريطة مبادرة الحكم الذاتي المحينة في أربعين صفحة على طاولة المفاوضات بحضور أحمد عطاف وزير الخارجية الجزائري ومحمد سالم ولد مرزوك وزير الخارجية الموريتاني ومحمد يسلم بيسط ممثل البوليساريو، وبإشراف مباشر من مسعد بولوس ودي ميستورا، في مواجهة تكاد تكون تاريخية بين المغرب والجزائر. ما يحدث في مدريد ليس مجرد تبادل بيانات أو تصريحات إعلامية، بل اختبار دقيق لمصداقية الجزائر على الساحة الدولية، حيث لم يعد هناك مجال للمناورات أو التحايلات، وزمن “الكلام الإنشائي” قد انتهى.
بوريطة، الذي يدخل اللقاء بهدوء دبلوماسي محسوب، يحمل وثيقة متقنة تعكس نضج المقترح المغربي وقدرته على التطبيق الفعلي على الأرض، ورغم طولها وأرقام صفحاتها، فهي لا تمثل سوى مقدمة لفرض إيقاع واضح: النقاش لن يكون حول مبدأ السيادة، فهو من طرف واحد ثابت، بل حول كيفية تنفيذ الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، معتمدين على القرار الأممي 2797 لدعم شرعية المقترح.
الجانب الجزائري، الذي طالما راهن على سياسة التملص والتسويف، يجد نفسه لأول مرة على “الكرسي الساخن”، بين سندان المطلب الأمريكي الصارم ومطرقة التفوق المغربي الميداني والقانوني. حضور مستشارين دوليين من الوزن الثقيل مثل مسعد بولوس ودي ميستورا يجعل من الصعب التهرب أو الاستمرار في لغة البيانات الفضفاضة، ويضع الوزير عطاف في موقف لا يحسد عليه: إما الالتزام الواقعي بالمبادرة المغربية، أو مواجهة العزلة الدولية والفضيحة الدبلوماسية.
الوثيقة المغربية، المكونة من أربعين صفحة، لا تترك للجزائر سوى خيارين، لا ثالث لهما: التفاعل الجاد مع الطرح المغربي والجلوس إلى طاولة الحوار بطريقة موضوعية، أو رفضه والدخول في مأزق سياسي ودبلوماسي لم يعد بالإمكان تجاوزه. المناورات التي طالما استخدمتها الجزائر لم تعد تنفع، والمجتمع الدولي يراقب عن كثب، وفي قلب مدريد، أصبح الواقع السياسي واضحاً وصارماً، والفرصة أمام الجنرالات محدودة: توقيع على حل عملي أو مواجهة غرق محتمل في عزلة لا مفر منها.
كل مؤشر، من حجم الوثيقة إلى اختيار المكان السري، ومن طبيعة الحاضرين إلى الإشراف المباشر من البعثات الأمريكية والأمم المتحدة، يؤكد أن المغرب يفرض وقائع جديدة ويضع الجزائر أمام الأمر الواقع. اليوم الأحد في مدريد، لن تكون هناك مراوغات، ولن يستطيع أحد إنكار أن المبادرة المغربية صارت معياراً للتفاوض، وأن أي محاولة لتجاهلها أو الالتفاف حولها ستقابل بالضغط الدولي المباشر، ما يجعل اللقاء محطة فاصلة في مسار ملف الصحراء، حيث أصبح على الجميع – خاصة الجزائر – الابتلاع الكامل للواقع أو مواجهة نتائجها الوخيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.