الجزائر والرهان الخاسر على الاستفزاز.. “فكيك نموذجاً”
الكارح ابو سالم
تتعامل الجزائر مع ملف الصحراء المغربية، في مرحلته الراهنة، بمنطق الانتظار أكثر مما تتعامل معه بمنطق المراجعة. انتظار طارئ دولي، أو تحول في موازين القوى، أو تغير في مزاج العواصم الكبرى، قد يسمح بإعادة فتح نافذة أُغلقت تدريجياً بفعل التحولات الجيوسياسية المتسارعة. غير أن هذا الرهان، في عمقه، يقوم على قراءة مختزلة لطبيعة النظام الدولي، وعلى وهم مفاده أن الزمن يمكن أن يعمل وحده لصالح من يرفض التكيف مع معطياته،فالولايات المتحدة الأمريكية، التي يراهن عليها صناع القرار في قصر المرادية باعتبارها قابلة للتقلب بتقلب الإدارات، لا تشتغل بمنطق الأشخاص بقدر ما تشتغل بمنطق المؤسسات والاستراتيجيات بعيدة المدى. وما اتخذته واشنطن من مواقف داعمة لمغربية الصحراء لا يمكن فصله عن تصور شامل للاستقرار الإقليمي، وعن دعم الحلفاء الذين راكموا المصداقية والالتزام. من هنا، يصبح الاعتقاد بإمكانية “انتظار إدارة أخرى” أقل حزماً مجرد تعبير عن ضيق الخيارات أكثر مما هو قراءة واقعية للمشهد الدولي.
في هذا السياق، تتكاثر السلوكات الجزائرية التي تجمع بين التصعيد الخطابي والتحرشات الميدانية، في محاولة لكسر الزخم الدبلوماسي الذي يميل بوضوح لصالح المغرب. فبعد أن وضعت قرارات مجلس الأمن الأخيرة الجزائر في موقع الطرف المعني المباشر، لا “الوسيط”، تقلّص هامش المناورة، وأصبح خلق التوتر إحدى الأدوات القليلة المتبقية لتأجيل الاستحقاقات السياسية أو الهروب منها.
وتتجلى هذه المقاربة بوضوح في ما عرفته منطقة إيش بإقليم فكيك في الجنوب الشرقي للمملكة. فقد شهدت المنطقة محاولة محدودة لعناصر من الجيش الجزائري فرض أمر واقع ميداني عبر تحركات تروم ترسيم الحدود داخل المنطقة المذكورة. غير أن تدخل الجيش المغربي أعاد الوضع إلى طبيعته بسرعة وحزم، دون أن ينزلق إلى أي تصعيد مفتوح أو مواجهة غير محسوبة.
الدلالة الأعمق في هذه الواقعة لا تكمن في الفعل الاستفزازي في حد ذاته، بل في طريقة تدبيره. فالمغرب، رغم خطورة الحدث من حيث رمزيته وحدوده السيادية، اختار مرة أخرى منطق الاحتواء وضبط النفس. وقد أكد مصدر أمني مسؤول أن الأوضاع عادت إلى طبيعتها بعد طرد العناصر المتسللة، في رسالة مزدوجة: قدرة كاملة على حماية الحدود، ورفض واضح لتحويل الحوادث المحدودة إلى صراع إقليمي واسع.
هذا السلوك ليس معزولاً عن الرؤية التي يؤطرها الملك محمد السادس، والتي تقوم على معادلة دقيقة بين الحزم والهدوء. فالمغرب يرفض إسالة الدم بين شعبين تجمعهما اللغة والدين والتاريخ، ويفضّل الحوار وحل النزاعات بالعقل والتبصر، لكنه في الآن نفسه لا يقبل أي مساس بسيادته أو التفريط في شبر واحد من ترابه. إنها سياسة أعصاب طويلة، لا تُقاس بالخطاب، بل بالنتائج.
في المقابل، تكشف هذه الحوادث المتكررة أن الجزائر، في ظل انسداد أفقها الدبلوماسي، تميل إلى اختبار ردود الفعل عبر تحرشات محسوبة، علّها تخلق حالة توتر تسمح بإعادة تدوير خطاب “التهديد الخارجي” وتبرير التعثر السياسي الداخلي. غير أن هذه الاستراتيجية، بدل أن تربك المغرب، تُراكم عليه نقاطاً إضافية في ميزان المصداقية الدولية.

وفي السياق نفسه، تأتي تصريحات زعيم مايسمى بالبوليساريو حول “تقاسم فاتورة السلام” لتكشف حجم التحول القسري في خطاب الجبهة. فالانتقال من لغة التهديد والحرب إلى مفردات “التعاون” و”التقاسم” لا يعكس نضجاً سياسياً بقدر ما يعكس إدراكاً متأخراً بانتهاء صلاحية الشعارات القديمة. إنه خطاب من استنفد أوراقه، فبدأ يبحث عن مخارج لغوية لأزمة سياسية عميقة.
المفارقة أن من يتحدث اليوم عن “الشرعية الدولية” هو نفسه من صادر صوت المحتجزين لعقود، ومن ارتهن قراره بالكامل لمزاج المؤسسة العسكرية الجزائرية. وفي عالم تحكمه الوقائع لا النوايا، يصبح هذا الخطاب أقرب إلى محاولة كسب الوقت منه إلى طرح حل قابل للتنفيذ.
على اي حال ، يبدو ان المشهد واضحاً،ستظل الجزائر تراهن على الزمن كفرصة لإعادة تدوير الخسارة، بينما يراهن المغرب على الزمن نفسه كأداة للتراكم وترسيخ المكتسبات. وبين من ينتظر المفاجآت، ومن يصنع الوقائع على الأرض، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فالصراعات لا تُحسم بالصخب ولا بالتحرش، بل بالقدرة على ضبط الأعصاب، وبناء المسار، وترك الخصم يستهلك نفسه في الدوران حول النقطة ذاتها
من هنا، لا يمكن فصل ما جرى في فكيك عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه الجزائر إقليمياً، سياق المراهنة على الزمن، وانتظار مفاجآت دولية، ومحاولة كسر توازن يميل تدريجياً لصالح المغرب. إنها سياسة من ضاقت بها الخيارات، فاختارت اللعب على الحواف، بدل مواجهة الواقع كما هو، فالدول التي تخسر معاركها الكبرى في قاعات التفاوض، غالباً ما تبحث عن تعويض رمزي على الأرض، ولو عبر حوادث محدودة، لا لتغيير الواقع، بل لتأجيل الاعتراف به. غير أن هذا النوع من السلوك، مهما بدا “مزعجاً”، لا يغيّر موازين القوى، بل يكشفها. إذ لا يلجأ إلى اختبار الأعصاب إلا من فقد أدوات التأثير الحقيقي.
في المقابل، يواصل المغرب إدارة هذا النوع من الوقائع بمنطق التراكم الصامت، لا ردود فعل صاخبة، ولا انجرار إلى مسرح الاستفزاز، ولا تحويل للحوادث المحدودة إلى أزمات مفتوحة. فالصراع، في جوهره، لم يعد صراع حدود بقدر ما أصبح صراع سرديات ونَفَس طويل، بين من يراهن على إنهاك خصمه، ومن يراهن على أن خصمه سيُنهك نفسه بنفسه.
هكذا تتحول واقعة إيش–فكيك من حادث حدودي عابر إلى مشهد كاشف: كاشف لمن يملك زمام المبادرة، ومن يكتفي باختبارها، كاشف لمن يدير الزمن كأداة قوة، ومن ينتظر أن ينقلب الزمن لصالحه دون أن يغيّر شيئاً من سلوكه. وبين هذين المنطقين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، حيث لا تُقاس القوة بعدد الاستفزازات، بل بقدرة الدولة على ألا تجعل منها بوصلة لقرارها
