إعفاء الخازن العام للمملكة قرار إداري أم مؤشر على إعادة ترتيب داخل منظومة القرار المالي؟

0

الگارح ابو سالم

إعفاء نور الدين بنسودة من مهامه كخازن عام للمملكة، بعد ما يقارب سبعة عشر عاماً في واحد من أكثر المناصب حساسية داخل المنظومة المالية للدولة، لا يمكن قراءته كحدث إداري عابر أو قرار تقني معزول عن سياقه العام. فالرجل راكم تجربة طويلة في تدبير مالية الخزينة العمومية، وارتبط اسمه بنمط اشتغال صارم، يقوم على الانضباط المالي، والتدقيق في النفقات، والاحتكام إلى القواعد بدل منطق التوافقات الظرفية، وهو ما جعله، بحكم المنصب، في احتكاك دائم مع الوزراء والقطاعات الحكومية خلال إعداد الميزانيات وتتبع الصفقات العمومية.
من هذا المنطلق، يطرح الإعفاء أكثر من سؤال، خاصة في ظل تداوله المتزامن مع معطيات تتحدث عن مرحلة انتقالية مرتقبة داخل بنك المغرب، بالنظر إلى المسار الطويل لواليه الحالي عبد اللطيف الجواهري، الذي بصم بدوره على مرحلة مفصلية في تاريخ السياسة النقدية للمغرب. فالجواهري لا يُحسب فقط على الاستمرارية والاستقرار، بل على استقلالية القرار، وجرأة النقد، ورفض إخضاع تقارير البنك المركزي لمنطق التجميل السياسي. وقد أبان خلال سنوات ولايته عن قدرة واضحة على إدارة ملفات معقدة، من ضمنها تعويم الدرهم بشكل متدرج ومحسوب، والحفاظ على توازنات مالية دقيقة في سياق إقليمي ودولي متقلب.
في هذا السياق، ليس مستبعداً أن يُقرأ إعفاء بنسودة، لدى بعض المتتبعين، كإعادة تموضع داخل هرم المسؤوليات، لا كإقصاء نهائي من دائرة القرار. فالتجربة التي راكمها في ضبط مالية الدولة، ومعرفته الدقيقة بعلاقات الخزينة بالقطاع البنكي وبالمؤسسات المالية الدولية، تجعل اسمه منطقياً ضمن لائحة الأسماء القادرة، نظرياً على الأقل، على تحمل مسؤولية من حجم ولاية بنك المغرب، إذا ما تم الحسم فعلاً في مرحلة ما بعد الجواهري.
غير أن هذا السيناريو، مهما بدا منسجماً من حيث الكفاءة التقنية، يبقى رهيناً بمعطيات سياسية ومؤسساتية أوسع. فمنصب والي بنك المغرب لا يقتصر على الخبرة المالية، بل يفترض أيضاً قدرة على الحفاظ على مسافة واضحة من الحكومة، وعلى لعب دور “الند” حين تقتضي المصلحة العامة ذلك، وهو ما كان يميز الجواهري، ويُقال إن بنسودة بدوره لا يُجيد المسايرة حين تتعارض الاختيارات مع قواعد الانضباط المالي والحكامة الجيدة، كما تشهد على ذلك علاقته المتوترة أحياناً مع بعض القطاعات الحكومية أثناء إعداد الميزانية.

في المقابل، يبقى تعيين عبد اللطيف العمراني مديراً عاماً بالنيابة للخزينة العامة للمملكة خطوة تضمن استمرارية المرفق، لكنها لا تجيب عن الأسئلة الكبرى المرتبطة بخلفيات الإعفاء وتداعياته. كما أن تداول أسماء أخرى، من بينها زينب العدوي، يعكس أن المشهد ما زال مفتوحاً على أكثر من احتمال، وأن من السابق لأوانه الحسم في وجهة البوصلة.
خلاصة القول، إن إعفاء بنسودة لا ينبغي اختزاله في منطق الربح والخسارة الآنية، ولا في قراءة تبسيطية تفترض نهاية مسار أو بداية مؤكدة لمسار آخر. نحن أمام لحظة إعادة ترتيب داخل مؤسسات حساسة، في ظرفية اقتصادية دقيقة تتطلب الاستمرارية من جهة، وضخ دماء جديدة قادرة على الجمع بين الاستقلالية والكفاءة من جهة أخرى. أما باقي التأويلات، فتبقى رهينة بما ستكشف عنه القرارات المقبلة، لا بما يُتداول في الكواليس في طريقة تدبيره …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.