الفيضانات لا تُغرق المدن وحدها بل تفضح الاختيارات السياسية

0

الكارح أبو سالم

حيثما ولّيت وجهك في هذه الأيام الممطرة، وأنت تتابع أخبار الفيضانات التي تجتاح عدداً من جهات المغرب، تصادف الخطاب نفسه يتكرر بلا خجل: «تدابير استباقية»، «أقصى درجات الحيطة والحذر»، «الوضع تحت السيطرة». عبارات جاهزة تُقال بعد أن تفيض الأودية، وتُحاصر المدن، وتغرق الطرق، بينما يظل المواطن معلقاً بين غضب الطبيعة وغموض التدخل.

في دواوير الغرب المنسي، وفي مدن مثل القصر الكبير، لم تعد الكارثة احتمالاًالفيضانات لا تُغرق المدن وحدها… بل تفضح الاختيارات السياسية، بل واقعاً يقترب ساعة بعد أخرى. الناس لا يطلبون بلاغات مطمئنة، بل يسألون السؤال البسيط والمخيف: متى سيتجاوز الوادي حدوده؟ ومتى تتحول التحذيرات إلى واقع لا مهرب منه؟ أي حيطة وحذر يُطلب من ساكنة لا تملك المعلومة، ولا ترى المسؤول، ولا تفهم ما يُدبَّر باسمها؟
ما يحدث اليوم ليس مفاجأة. الفيضانات، كما الجفاف، دورات طبيعية معروفة، مرصودة، ولا تحتاج إلى تقدير ارتجالي. المفاجئ فقط هو استمرار منطق التدبير اليومي، وسياسة رد الفعل، وغياب الرؤية الاستباقية الحقيقية. منذ سنوات، نادى كثيرون بضرورة التخطيط بعيد المدى، وبأن ينزل المسؤولون إلى أرض الواقع، يعاينوا، ينصتوا، ويقرروا في الوقت المناسب، لأن تأخر القرار قد يكون كارثة، وغيابه كارثتين.

غير أن الواقع يكشف تعنتاً غير مفهوم. هناك من يعتبر زيارة المناطق المنكوبة انتقاصاً من المقام، وكأن المسؤولية تُمارس من خلف المكاتب فقط. وهكذا، تتكرر المأساة، ويُعاد إنتاج الخطاب نفسه، وتُرمى المسؤولية الثقيلة على شماعة “قضاء وقدر” الطبيعة.
مشاهد القصر الكبير الأخيرة لم تكن مجرد صور لفيضانات عابرة، بل كانت فضيحة تدبيرية بكل المقاييس. مدينة بتاريخها ووزنها الحضاري، محاصرة بالمياه من جهات متعددة، أكثر من 13 حياً مهدداً، أسر تغادر عبر منفذ وحيد نحو طنجة، مستشفى عمومي غمرته المياه واستدعى إجلاء المرضى. هذه ليست حالة معزولة، بل نموذج لما قد تعيشه مدن أخرى، وطرقا أُصلحت حديثاً ثم انهارت عند أول اختبار حقيقي.
ومع كل كارثة، يتكرر المشهد ذاته: ننتظر تدخل السلطات المحلية، وزارة الداخلية، القوات العمومية، فتتحرك، تتحمل العبء، وتحد من الخسائر. أما من يُفترض أنهم ممثلو الساكنة، المنتخبون في البرلمان والمجالس، فيكتفون بدور المتفرج. لا حضور في الميدان، لا مساءلة، لا مبادرة. يظهرون فقط عندما تهدأ المياه… أو عندما تقترب صناديق الاقتراع.
وهنا يطرح الواقع سؤالاً سياسياً حاداً: نحن مقبلون على الانتخابات، فهل نُعيد الخطأ نفسه؟
ما وقع في آسفي، فاس، سلا، وما يقع اليوم في القصر الكبير وغيرها، ليس قدراً أعمى، بل نتيجة سنوات من الإهمال، وسوء الاختيار، والتصويت على أساس الولاء أو القرابة أو المصلحة العابرة. كثير من هذه المناطق تُعامل كخزانات انتخابية، يتسابق عليها أعيان من أحزاب بلا هوية واضحة، يفوزون بالمقاعد، ثم يختفون، فلا برامج تُنفذ، ولا وعود تُحترم.
الأخطر من ذلك هو استغلال الكوارث نفسها انتخابياً: مساعدات عينية تُوزع في لحظة ضعف، وخطاب عاطفي يستثمر في الألم، وكأن الكرامة تُعوَّض بقفة، أو الصوت يُشترى تحت المطر.
لسنا مطالبين اليوم بإدانة الطبيعة، بل بمساءلة التدخل البشري الغائب قبل الكارثة. ما نحتاجه هو وعي انتخابي جديد يقول بوضوح:
من مرّ من هنا ولم يترك أثراً، لا يستحق فرصة أخرى.
من حضر فقط في موسم الانتخابات، لا يمثل الناس.
ومن بنى نفوذه على الولاء لا على الإنجاز، يجب أن يُغادر.
الفيضانات لا تختبر فقط صلابة البنية التحتية، بل تكشف هشاشة الاختيارات السياسية. إنها ناقوس خطر يُنبه إلى أن التصويت الخاطئ لا يغرق الشوارع وحدها، بل يُغرق المستقبل.
الانتخابات المقبلة ليست موعداً عادياً، بل فرصة حقيقية للقطع مع ثقافة إعادة تدوير الفشل، ومع منطق التسامح مع الرداءة. إما أن نُغير طبيعة من يمثلنا، أو نستعد لتكرار المشهد نفسه… بمياه أكثر، ووعود أقل، ومسؤولين لا يبللهم المطر .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.