الكارح أبو سالم
لم يعد العالم يُدار بمنطق خطابات الشراكة الرخوة التي سادت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. نحن اليوم أمام نظام دولي يعيد ترتيب نفسه بالقوة، حيث تتحول الطاقة إلى سلاح جيوسياسي، وتُختبر سلاسل التوريد عند كل أزمة، وتُقاس الدول بقدرتها على حماية مصالحها ، في هذا السياق، لم تعد الشرعية الدولية وحدها كافية، بل أصبحت القدرة على الفعل هي المحدد الحقيقي للمكانة.
من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كبنية تحتية معزولة أو استثمار تقني ظرفي، بل باعتباره اختيارًا سياسيًا واستراتيجيًا يعكس انتقال المغرب إلى منطق الدولة التي تفهم قواعد النظام الدولي الواقعي، وتتحرك داخله بوعي استباقي.

وحين يترأس جلالة الملك محمد السادس اجتماع عمل مخصصًا لهذا المشروع في أفق إطلاقه التشغيلي، فإن الرسالة واضحة،تبرز القرار سيادي، والرهان استراتيجي، وان الزمن لم يعد زمن التردد. فالميناء لم يُصمَّم ليكون نقطة عبور عابرة، بل كمنصة متكاملة تجمع بين الوظيفة المينائية، والبعد الصناعي واللوجستي، والمكوّن الطاقي، بما ينسجم مع التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث تُنقل المصانع، وتُعاد توطين الاستثمارات، وتُختصر المسافات تحت ضغط الأزمات.
العالم اليوم يعيد تمركزه حول العقد اللوجستية الكبرى. من يملك الموانئ العميقة يتحكم في الإيقاع، ومن يؤمّن الطاقة يمتلك هامش المناورة، ومن يربط بين القارات يصنع لنفسه موقعًا تفاوضيًا متقدمًا. وميناء الناظور غرب المتوسط، بموقعه في قلب المتوسط الغربي، وبطاقته الاستيعابية الضخمة، وبربطه العضوي بين أوروبا وإفريقيا، يُدخل المغرب مباشرة في قلب هذه المعادلة،بإدماج أول محطة للغاز الطبيعي المسال في تاريخ المملكة داخل هذا المركب ليس تفصيلًا تقنيًا، وهو قرار سياديً صريحً،في عالم اليوم ،حيث تحوّلت فيه الطاقة إلى أداة ضغط سياسي،و المغرب اختار أن يؤمّن جزءًا من استقلاله الطاقي، وأن يوسّع هامش قراره الاقتصادي. هنا، يتحول الميناء من فضاء اقتصادي إلى أداة قوة هادئة، تُغيّر موازين الحساب.

غير أن البعد الجيوسياسي للمشروع يتجاوز البعد المحلي ، و له تأثير إقليمي في المنطقة . ومن شأنه هذا الميناء ان يعيد رسم خرائط النفوذ في غرب المتوسط، ويضع موانئ الجنوب الأوروبي، خاصة في إسبانيا، أمام واقع جديد. موانئ لطالما استفادت من موقعها القريب ومن اختلال التوازن جنوب المتوسط، تجد نفسها اليوم أمام منافس يمتلك العمق، والمرونة، والكلفة التنافسية، والدعم الاستراتيجي للدولة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل القلق الإسباني المتنامي من هذا المشروع عن حساسية ملف مليلية المحتلة، ولا عن التحولات داخل حلف شمال الأطلسي، حيث لم تعد بعض “المسلّمات الجغرافية” تحظى بنفس الغطاء السياسي. فميناء الناظور غرب المتوسط يُعيد طرح أسئلة السيادة، والتموقع، وحدود النفوذ في منطقة لم تعد تقبل أن تُدار بمنطق الإرث الاستعماري أو الامتيازات غير المعلنة.
اما على الصعيد المحلي ، يعيد المشروع تعريف الشمال المغربي داخل المعادلة الوطنية. بحيث يتحول إلى قطب إنتاج واستثمار، يحتضن مناطق صناعية، واستثمارات دولية، وبرامج تكوين، بما يُنهي تدريجيًا منطق المركز والهامش، ويؤسس لتوازن ترابي قائم على الوظيفة لا على القرب الجغرافي من القرار.
في العمق، ما يفعله المغرب اليوم هو التحرر من وهم النظام الدولي الأخلاقي، والدخول الهادئ لكن الحازم إلى منطق الواقعية الاستراتيجية. عالم تُحسم فيه المواقع بالموانئ والطاقة .
ميناء الناظور غرب المتوسط يبرز ان المغرب لم يعد ينتظر التحولات، ولا يطلب الاعتراف بدوره، بل يصنع شروط حضوره، ويعيد تموقعه كفاعل إقليمي وازن داخل نظام دولي لا يعترف إلا بمن يملك أدواته، ويفهم قواعد لعبته

