بين الاحتجاج والمسؤولية: قراءة هادئة في توقّف المحامين
بقلم : د فؤاد الخنشافي
في خضم النقاش العمومي الذي يواكب توقّف المحامين عن أداء مهامهم، يبرز خلطٌ متكرر بين مفهوم الاحتجاج كآلية إنذار مشروعة، وبين تعطيل المؤسسات أو الدخول في منطق الصدام معها. والحال أن المحامين، بحكم تكوينهم وموقعهم داخل منظومة العدالة، ليسوا دعاة تعطيل ولا خصومًا للدولة، بل فاعلين مؤسساتيين يؤمنون بالقانون ويحتكمون إليه قبل غيرهم.
إن أبناء المهنة يدركون أن مسالك الرقابة الدستورية ليست متاحة بالإرادة وحدها، بل تخضع لشروط إجرائية وموضوعية دقيقة، كما أن إيقاعها الزمني لا ينسجم دائمًا مع طبيعة الأزمات المهنية المستعجلة. وفي هذا السياق، لا يُفهم الاحتجاج كخروج عن الشرعية، وإنما كاستدعاء لها حين يضيق الإطار المؤسساتي، وحين يصبح الصمت خطرًا يوازي الخلل نفسه.

ولا يغيب عن وعي المحامين، بمرارة المسؤولية، أن أي توقف في المرفق القضائي يخلّف كلفة إنسانية ومهنية حقيقية، وأن المتقاضي، وخاصة المعتقل احتياطيًا، يتحمل العبء الأكبر، كما تتعرض علاقة الثقة بين المحامي وموكله لاختبار قاسٍ. غير أن الاقتصار على قياس الضرر الآني، دون استحضار المخاطر البنيوية بعيدة المدى، يُعد مقاربة مبتورة لمعنى العدالة. فاستمرار العمل داخل منظومة مختلة قد يبدو أقل كلفة على المدى القصير، لكنه يهدد، على المدى البعيد، جوهر الحق في الدفاع واستقلالية المهنة وجودة العدالة نفسها.
من هذا المنطلق، فإن الدفاع عن شروط ممارسة عادلة ومستقلة لمهنة المحاماة لا يُختزل في كونه مطلبًا فئويًا، بل يشكل ركيزة أساسية لحماية حق المواطن في محاكمة عادلة، وضمان توازن حقيقي داخل منظومة العدالة. فالعدالة التي تُدار بمنطق الاعتياد أو التطبيع مع الخلل، مآلها فقدان المعنى، حتى وإن استمرت في أداء وظائفها الشكلية.
واليوم، ومع تصاعد منسوب الاحتقان، تجد الحكومة نفسها أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في منطق الصمت بما يراكِم الكلفة داخل مرفق سيادي وحساس، أو فتح أفق الحوار باعتباره الخيار الأقل كلفة سياسيًا ومؤسساتيًا، والأكثر انسجامًا مع منطق الحكمة والتدبير الرشيد. غير أن الانتقال من الضغط إلى الحل لا يتحقق بالصوت العالي وحده، بل يتطلب وضوحًا في المطالب، ورصانة في الحجج، واستعدادًا مهنيًا لتحويل الأزمة من منطق المواجهة إلى منطق التعاقد والتسوية.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بمعركة بين المحامين والدولة، بل بلحظة وعي جماعي واختبار حقيقي لقدرتنا جميعًا على إنقاذ العدالة من نفسها، قبل أن تعجز عن إنصاف من وُجدت من أجلهم.
د فؤاد الخنشافي محامي بهيئة الرباط
