بين كلفة التظاهرة وضعف العائد: ماذا ربح المغرب من كأس إفريقيا ؟

0

الگارح ابو سالم

لم يكن الجدل الذي رافق كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب مرتبطًا فقط بنتائج المباريات، بل تحوّل سريعًا إلى سؤال اقتصادي وسيادي مشروع: كم كلّفنا هذا الكأس؟ وماذا جَنينا فعليًا منه؟ وهل كان التنظيم في حد ذاته ربحًا، أم أن الربح الحقيقي ضاع بسبب غياب رؤية مندمجة تُحوِّل الحدث الرياضي إلى رافعة اقتصادية وإعلامية وسياحية؟
من حيث الأرقام المعلنة وغير المعلنة، تشير معطيات متقاطعة إلى أن كلفة تنظيم كأس إفريقيا، بما في ذلك تأهيل الملاعب، البنية التحتية المحيطة، النقل، الأمن، الخدمات اللوجستية، والتجهيزات التقنية، تجاوزت 50 مليار درهم إذا أُخذت بعين الاعتبار الاستثمارات السابقة التي أُعيد تسريعها أو تكييفها خصيصًا للتظاهرة. صحيح أن جزءًا مهمًا من هذه النفقات يُصنف ضمن “الاستثمار طويل الأمد”، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل استُثمر هذا الإنفاق بعقلية التظاهرة أم بعقلية الدولة؟
في المقابل، تبدو الموارد المباشرة المحصلة من الكأس محدودة نسبيًا. فمداخيل التذاكر، وحقوق البث، والإشهار، لا تعود كلها إلى خزينة الدولة، بل يذهب الجزء الأكبر منها إلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بينما تكتفي الدولة المضيفة بحصة جزئية لا يمكن أن تغطي، في أي سيناريو واقعي، حجم النفقات المرصودة. حتى العائدات السياحية، التي يُفترض أن تشكل رافعة أساسية، لم تبلغ المستوى المنتظر، بسبب غياب عروض سياحية مهيكلة، وضعف التسويق، وغياب برامج موازية تستثمر وجود عشرات الآلاف من الزوار الأفارقة والأجانب.
الأدهى من ذلك أن القطاعات التي كان يُفترض أن تكون في صلب هذه الدينامية – الإعلام، الثقافة، السياحة، الشباب – بدت وكأنها خارج الزمن. الإعلام الوطني، بدل أن يتحول إلى منصة دولية لتسويق صورة المغرب الحديثة والمتعددة، انكفأ في نقل الروبورتاجات الميدانية والجدل الانفعالي، وترك المجال الرقمي مفتوحًا أمام حملات التشويش والأخبار الزائفة. أما وزارة الثقافة، التي كانت أمام فرصة تاريخية لعرض عمق الحضارة المغربية أمام جمهور قاري متنوع، فقد غابت تقريبًا عن المشهد، وكأن التظاهرة لا تعنيها. والشيء نفسه يُقال عن وزارة السياحة والمكتب الوطني للسياحة، حيث لم يشعر المتابع بأن هناك استراتيجية واضحة لتحويل الزائر العابر إلى سائح محتمل يعود لاحقًا.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: أنفقنا كدولة بمنطق “الواجهة”، لكننا اشتغلنا بمنطق “القطاع المعزول”. لم يكن هناك عمل مندمج يجعل من الكأس مشروعًا وطنيًا تشارك فيه كل المؤسسات وفق رؤية واحدة، بل تُركت الجامعة الملكية لكرة القدم، بكل ما راكمته من تجربة، في الواجهة وحدها، تتحمل العبء الرمزي والعملي، في حين اكتفت قطاعات أخرى بدور المتفرج… أو الباحث عن مقعد في المنصة الشرفية.
وإذا كانت صورة المغرب قد وصلت فعلًا إلى العالم، فإن الصورة وحدها لا تُسدد الفواتير. في عالم اليوم، لا قيمة لأي إنجاز غير مُسوَّق، ولا لأي حدث غير مُستثمر. القوة الناعمة لا تُبنى بالكرم المفرط ولا بالإنفاق الضخم وحده، بل بالعقل الاستراتيجي الذي يربط بين الرياضة، والاقتصاد، والإعلام، والثقافة، والسياحة، في منظومة واحدة.
خلاصة القول ، ان كأس أمم إفريقيا لم يكن فاشلا تنظيميًا، بل كان نجاحًا تقنيًا بكل المقاييس ،لكن ما يجب ان نعترف به انه محدود العائد الاقتصادي، لأننا لم نتعامل معه كرافعة سيادية شاملة. الربح الحقيقي لا يكون في العشب ولا في المدرجات، بل كان يجب أن يكون في العقول والخطط والمحتوى. وما لم نستخلص هذا الدرس، فإننا سنظل نُنفق كثيرًا، ونُبهر العالم، لكن بعائد أقل بكثير مما نستحقه كدولة تعرف جيدًا كيف تُنظم… لكنها لم تحسم بعد كيف تُسوِّق وتُراكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.