الكارح ابوسالم
صحيح أن كرة القدم، بما تحمله من شحنة وجدانية قوية، قد تخلق توتراً لحظياً أو سوء فهم عابر، غير أن هذا التوتر سرعان ما يتبدد حين يُستحضر العمق الحقيقي للعلاقة بين الرباط وداكار. فالفتنة التي حاول البعض النفخ فيها، سواء بدافع التحريض أو الاستثمار السياسي، لم تجد لها تربة صالحة، لأنها اصطدمت بواقع تاريخي وروحي أقوى من كل محاولات التشويش.

السبحة التيجانية
منذ القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، شكّل المغرب بوابة الإسلام والعلم نحو إفريقيا الغربية. فمن سجلماسة إلى أوداغوست، لم تكن القوافل العابرة للصحراء تنقل الملح والذهب فحسب، بل حملت معها الفقه المالكي، والتصوف السني المعتدل، ونمطاً حضارياً قائماً على التعايش والتكامل. ومن هذا التفاعل التاريخي العميق وُلدت الدولة المرابطية، التي أسست فضاءً حضارياً موحداً امتد من شمال إفريقيا إلى أعماق السنغال ومالي.
غير أن التحول الأرسخ في بنية العلاقة المغربية–السنغالية تجسّد لاحقاً عبر الطريقة التيجانية، التي اتخذت من فاس منطلقاً روحياً، ومن السنغال مجالاً واسعاً للانتشار والتجذر. فالزاوية التيجانية لم تكن مجرد إطار تعبدي، بل تحولت إلى جسر إنساني وثقافي ربط بين الشعبين، ورسّخ شعور الانتماء إلى مرجعية روحية واحدة، تتجاوز الجغرافيا والسياسة والظرف.

في السنغال، تحظى الطريقة التيجانية بمكانة مركزية في النسيج الديني والاجتماعي، فيما يحتفظ المغرب، رمزياً وتاريخياً، بمكانة “دار الأصل” وموطن التأسيس. هذا الارتباط الروحي العميق منح العلاقة بين البلدين مناعة خاصة، لأن ما يجمع المريدين والمشايخ والزوايا أعمق من أن تهزه نتيجة مباراة، أو سجال عابر على منصات التواصل.
ولهذا، حين ظهرت بعض مظاهر التوتر المرتبطة بالمنافسة الكروية، سارع العقلان الرسمي والشعبي في البلدين إلى استحضار هذا العمق المشترك. وقد عبّر بلاغ الديوان الملكي الأخير، بوضوح ودون انفعال، عن هذا الوعي الراسخ، حين أكد على متانة العلاقات الأخوية التي تجمع المغرب بعدد من الدول الإفريقية، وعلى رأسها السنغال، وعلى أن ما يجمع الشعوب الإفريقية أكبر من أي أحداث عابرة أو محاولات للتشويش. وهو تأكيد يحمل في طياته رسالة مزدوجة: طمأنة الداخل، وتفنيد كل رهانات الفتنة من الخارج.
غير أن ما لا تقوله البيانات الرسمية بل تدركه المجتمعات جيداً، هو أن الدين المشترك والتصوف المعتدل لعبا دوراً هادئاً ولكن حاسماً في امتصاص التوتر. فالخطاب التيجاني، القائم على التسامح، وتزكية النفس، وتقديم الأخوّة على الصراع، شكّل مرجعية أخلاقية واجتماعية حالت دون الانزلاق نحو القطيعة أو التصعيد، وأعادت الأمور إلى حجمها الطبيعي.

وليس من قبيل الصدفة أن تكون اللحظات المفصلية في تاريخ العلاقات المغربية–السنغالية مرتبطة بمحطات رمزية ذات دلالة عميقة: من خطاب السلطان محمد الخامس في داكار بعد عودته من المنفى، إلى أول خطاب لجلالة الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي من خارج الوطن، والذي اختار له داكار، في إشارة قوية إلى عمق الثقة والارتباط، وإلى خصوصية هذا البلد في الوجدان السياسي والروحي المغربي.
هكذا يتضح أن ما قد تخلقه الكرة من توتر، تعالجه الزوايا بالحكمة، وما تثيره المنافسة من انفعال، تطفئه الذاكرة المشتركة. فالعلاقة بين المغرب والسنغال ليست علاقة مصالح فقط، بل علاقة روح ومسار حضاري مشترك، حيث تظل الطريقة التيجانية، بما تمثله من رأسمال رمزي وروحي، أحد أقوى الجسور التي تحفظ الودّ، وتُبقي الخلافات في حجمها الطبيعي: عابرة، ومحدودة، وغير قابلة للتحول

