بعد كأس أفريقيا: حتى لا ننساق وراء حملات ممنهجة تستهدف الموقع الإفريقي للمغرب

0

الگارح ابوسالم

انتهت كأس إفريقيا، وأُسدِل الستار على منافسة رياضية كان يُفترض أن تبقى في حدود الملعب. تُوِّج المنتخب السنغالي باللقب، وسط جدل، وشكوك أُثيرت حول وقائع المباراة والتي لازالت تبعاتها ستعرف مفاجآت ، لكن الأهم هي الطريقة التي اختار بها المغرب أن يتعامل مع ما حدث.
المغرب، في هذه المحطة، تصرّف بمنطق الدولة لا بمنطق الانفعال. احترم النتيجة المعلَنة، وترك باب المساءلة مفتوحًا عبر القنوات القانونية داخل الكاف و الفيفا، واضعًا ثقته في المؤسسات والقانون. وهذا الاختيار، في حد ذاته، رسالة سياسية وأخلاقية واضحة: من يثق بعدالة قضيته، لا يحتاج إلى الصراخ، ولا إلى تعبئة الغضب الشعبي، بل يسلّم الملف للجهات المختصة ويترك الوقائع تتكلم في وقتها.
ورغم انتهاء البطولة بالنتيجة المعروفة، فإن عددًا كبيرًا من المتابعين المحايدين، داخل إفريقيا وخارجها، أجمعوا على أن بعض السلوكيات التي صدرت خلال المباراة النهائية من طرف المنتخب السنغالي كانت غير مقبولة ولا تنسجم مع روح اللعب النظيف. هذا ليس خطاب مظلومية، بل قراءة موضوعية لمشاهد موثقة، ستقول فيها الهيئات المختصة كلمتها حين يحين الوقت. وهنا يبدأ الفرق الجوهري بين من يبحث عن العدالة، ومن يبحث عن الفتنة.
فبالتوازي مع النقاش الرياضي، انطلقت حملة ممنهجة حاولت دفع المغاربة إلى تبنّي سردية خطيرة مفادها أن “إفريقيا كلها ضد المغرب”، وأن “العرب يكرهونه”، وأن العزلة قدر لا مفر منه. هذا الخطاب المسموم لم يكن بريئًا، ولم يأتِ من فراغ. بل جرى تغليفه بلبوس “الغيرة الوطنية” و”الدفاع عن الكرامة”، في محاولة لتدجينه وترويجه داخل الوجدان الشعبي المغربي.
والهدف الحقيقي من هذه السردية ليس نصرة المغرب، بل عزله عن عمقه الإفريقي والعربي، ودفعه إلى الانكفاء، والتوتر الدائم، وقطع الجسور التي راكمها بعقلانية وصبر على مدى سنوات.
ولا يمكن فهم هذه الحملات دون استحضار السياق السياسي العام. فالجزائر، التي تلقت خلال الأشهر الأخيرة ضربات دبلوماسية موجعة، وفي مقدمتها المواقف الأممية التي كرّست مسار مغربية الصحراء، وجدت نفسها أمام واقع جديد: مشروع إقليمي بُني لعقود يتآكل، ونفوذ يتراجع، ومغرب يواصل الصعود بهدوء وثبات. أمام هذا التحول، لم تجد سوى منطق الإرباك والتشويش.
بالتوازي مع الضجيج الكروي الذي خلقته ، تحرّكت الجزائر نفسها سياسيًا بخطوات تصعيدية لا تخلو من الرسائل المشفرة ، وكثّفت حملاتها الإعلامية الخبيثة لاستهداف صورة المغرب لدى دول إفريقيا، وعلى رأسها السنغال، في محاولة لضرب السياسة الإفريقية للمملكة، خاصة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا، الذي يعيد رسم خريطة الطاقة والنفوذ في القارة.
غير أن أخطر أدوات هذا الصراع لم تعد البيانات الرسمية ولا الخطابات السياسية، بل الفضاء الرقمي، خلال البطولة، برزت موجة لافتة من الصفحات والحسابات التي لا تشتغل بمنطق التعبير العفوي، بل بمنطق الخلايا المنظمة. و حسابات وهمية تُدار بشكل متزامن، و صفحات بأسماء مغاربية أو إفريقية للتمويه، منشورات تُطلق بإيقاع مدروس، وتعليقات تُرفع عمدًا لخلق “ترند” زائف. تبدأ الرسائل غالبًا بنبرة هادئة وأخبار قابلة للتصديق، ثم تتدرج نحو زرع الشك، وبث الإحباط، والتشكيك في كل شيء: في الوعي المجتمعي ، في المؤسسات، وفي العلاقات الإقليمية و الغاية من هذه العمليات ليست إقناع المغاربة بقدر ما هي إنهاكهم نفسيًا، ودفعهم إلى استنزاف طاقتهم في معارك جانبية. وحين يفشل الإقناع، يُستعمل الهجوم الجماعي والتنمر الرقمي لإسكات الأصوات العاقلة. إنها حرب نفسية بأدوات حديثة، وليست “مجرد تعليقات” عابرة كما قد يظن البعض.
ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة كما يريد لها مروّجو الفوضى. أحد أهم مكاسب هذه الكأس، بعيدًا عن الألقاب، هو تنامي وعي جماعي متزايد بأن ضرب بعضنا البعض لا يخدم سوى خصوم ينتظرون أي شرخ للنفاذ منه.
اليوم، السؤال الحقيقي ليس: من فاز بالكأس؟
بل: كيف نحمي وعينا الجماعي من التلاعب؟
كيف نفرّق بين النقد المشروع والتضليل الممنهج؟
وكيف نمنع أنفسنا من التحول، دون وعي، إلى أدوات لنشر روايات أعداء لا يريدون لنا إلا الانقسام؟
حماية صورة المغرب لا تكون بالصراخ ولا بالانفعال، بل بالهدوء، وبعد النظر، ووحدة الصف. فالاحترام القاري لا يُفرض إلا بالاتزان، وبالثبات على المواقف، وبالاستمرار في بناء علاقات إفريقية طبيعية، وشراكات عربية متزنة، واختيارات استراتيجية واضحة.
في النهاية، ما يربك الخصوم حقًا ليس الرد عليهم، بل عدم الاكتراث باستفزازاتهم، والتعامل معها بروية، والقدرة على التمييز بين الدفاع عن الحق والانجرار إلى الفوضى.
المغرب يمضي إلى الأمام.
أما من يراهن على التشويش، فسيجد نفسه وحيدًا في دوامة خذلانه.فالمغرب لنفرض انه خسر معركة النهائي فلن يخسر الحرب
،وسينتصر لكل قضاياه العادلة ، بالتروي والعقل وضبط حساباته

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.