الكارح أبو سالم
عرف إقليم أزيلال، خلال الأسابيع القليلة الماضية، موجة من التساقطات الثلجية الكثيفة تسببت في شلل شبه تام لحركة السير بعدد كبير من الطرق، خاصة بالمناطق الجبلية، ما جعل الساكنة في مواجهة مباشرة مع العزلة والبرد، وطرح في الآن ذاته سؤال الجاهزية وتدبير الأزمات لدى السلطات الإقليمية، وعلى رأسها عامل الإقليم الجديد، في أول امتحان ميداني له بصفته رئيسًا للجنة اليقظة.
في خضم هذه التطورات، اضطلعت الصحافة الجادة بمسؤوليتها كاملة، من خلال نقل معاناة المتضررين كما هي، عبر شهادات حية موثقة بالصوت والصورة، واتصالات مباشرة مع ساكنة حوصرت بالثلوج، دون تهويل أو اصطفاف، ووفق ما يفرضه الضمير المهني من حياد ودقة. ولعل أبرز تجليات هذا الواقع، المسيرة الاحتجاجية التي خاضتها ساكنة أنركي، والتي قطعت عشرات الكيلومترات سيرًا على الأقدام، وقضت ليلة قاسية في العراء، قبل أن تواصل مسيرها في اليوم التالي، في مشهد مؤلم يلخص حجم التهميش الذي تعانيه المنطقة.
ورغم خطورة الوضع وحساسيته، لم تُسجَّل أي زيارة ميدانية للمسؤول الإقليمي لمعاينة الأوضاع عن قرب، إلى أن فوجئت الساكنة بتدخل أمني مكثف، تمثل في تطويق المسيرة بأعداد كبيرة من القوات العمومية، وهو معطى نقلته الصحافة كما وقع، دون زيادة أو تأويل، التزامًا بواجب الإخبار وخدمة للرأي العام.
غير أن ما أثار الاستغراب أكثر، هو خروج بعض الصفحات والمواقع المحسوبة على ما يُسمى بـ“صحافة التنكافات”، بعضها ينشط من خارج الإقليم وبعضها من داخله، في محاولة مكشوفة للعودة إلى الواجهة عبر بوابة التطبيل والتزكية، لا استنادًا إلى الوقائع، بل على حساب الصحافة المهنية التي اختارت الانحياز للحقيقة فقط.
يبدو أن هذه الأصوات لم تستوعب بعد أن الصحافة، في جوهرها، ليست أداة لتلميع المسؤولين أو الدفاع عنهم، بل سلطة تنبيه ورقابة، تنقل اختلالات التدبير وتُعبّر عن هموم المواطنين. فالمسؤول العمومي، حين يؤدي واجبه، لا يقوم بفضل، بل بمهام يتقاضى عنها أجرًا من المال العام، ولا يحتاج إلى أبواق إعلامية لتبرير التقصير أو تزيين الواقع.
كما لا يخفى على المتتبعين أن عددًا من هذه الصفحات كان، في مراحل سابقة، مستفيدًا من ريع الامتيازات و”الكريمات”، ومع تغيّر قواعد التعامل وحصره في الصحافة القانونية والصحفيين الحاصلين على البطاقة المهنية، وجد أصحابها أنفسهم خارج المشهد، ليختاروا اليوم أسلوب الهجوم والتشويش على الإعلام الجاد، بدل مراجعة الذات.
إن ما يقع اليوم لم يعد خافيًا على الرأي العام، ومحاولات خلط الأوراق أو ضرب مصداقية الصحافة المهنية لن تنجح. فبناء الثقة لا يتم عبر صحافة التهليل، بل عبر إعلام مسؤول، جريء، يطرح الأسئلة الصعبة، وينتقد، ويُنبّه، ويضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
