الگارح ابوسالم
منذ الأيام الأولى لكأس أمم إفريقيا، لم يكن السؤال الحقيقي: من سيفوز بالمباريات؟
بل، كيف نجح المغرب في جعل حدث قاري بهذا الحجم يمرّ بهدوء لافت، دون توتر، دون فوضى، ودون صور تُربك المشهد؟ الجواب لم يكن داخل المستطيل الأخضر فقط، بل خارجه، حيث اشتغلت منظومة أمنية بعقل بارد، جعلت من “السير العادي” عنوانًا لأكبر اختبار تنظيمي قاري.
منذ البداية، كسب المغرب الرهان الأصعب، رهان التنظيم والأمن معًا. لأن تنظيم بطولة قارية ليس مجرد ملاعب وبنية تحتية، بل قدرة على تدبير جماهير متباينة، حساسيات تاريخية، وتدفقات بشرية ضخمة، في ظرف زمني مكثف. وهنا بالضبط، قدّم الأمن المغربي درسًا في الاحتراف الواعي.
الأمن المغربي لم ينتظر الحدث ليتدخل، بل بدأ قبل الصافرة بزمن طويل. تخطيط استباقي، قراءة دقيقة للسيناريوهات المحتملة، وتدبير ذكي لحركة الجماهير داخل المدن وخارج الملاعب. لم يكن الهدف فرض السيطرة، بل صناعة الانسيابية، وجعل التوتر احتمالًا ضعيفًا منذ الأصل.
انبهار أوروبي… ورسائل تتجاوز البطولة
ما لفت انتباه المراقبين، وخصوصًا الفرنسيين، ليس فقط هدوء التنظيم، بل الطريقة التي دُبّر بها حضور الجماهير داخل المغرب. في سياق إقليمي معروف بحساسيته، نجح الأمن المغربي في تفكيك أي توتر محتمل، وتعامل مع الجماهير بمنطق أمني احترافي خالٍ من الحسابات السياسية أو الانفعالية. هذا التدبير المتزن أثار انبهار متابعين وخبراء فرنسيين، اعتبروا أن المغرب قدّم نموذجًا ناضجًا في إدارة ملفات جماهيرية معقّدة، بعيدًا عن الاستفزاز وبمنطق الدولة الواثقة.

ولم يكن هذا الانتباه معزولًا. فاختيار مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) للمغرب كمحطة ميدانية للاطلاع على طريقة اشتغال أجهزته الأمنية لم يكن إجراءً بروتوكوليًا. نحن نتحدث عن مؤسسة تستعد، إلى جانب شركائها، لتنظيم كأس العالم 2026 بعد أشهر قليلة. أن تنبهر هذه الجهة بطريقة اشتغال الأمن المغربي، وأن تعتبره نموذجًا يُحتذى به في مواكبة التظاهرات الكبرى، فذلك اعتراف دولي صريح بثقل التجربة المغربية.
داخل وخارج الملاعب… تدبير محكم
خارج الملاعب، كان الامتحان الحقيقي. محطات النقل، محيط الملاعب، الشوارع الكبرى، ونقاط تجمع الجماهير، كلها خضعت لتدبير محكم: انتشار ذكي، تدخل وقائي، وحضور تواصلي يسبق أي احتكاك. الوصول إلى المباريات والخروج منها تمّ بسلاسة، دون اختناق أو فوضى، وكأن المدينة كانت تتنفس بإيقاع محسوب.
داخل الملاعب، اختار الأمن المغربي فلسفة الحضور غير الطاغي. عيون يقِظة، تقنيات متطورة للرصد، وتدخل محسوب عند الحاجة فقط. لا استعراض، لا تشنج، ولا عسكرة للفرجة. والنتيجة: مباريات تمرّ في أجواء طبيعية، يعلو فيها صوت الكرة لا صافرات الإنذار.
حتى في الحالات القليلة من الاحتكاك، جاء التدخل سريعًا وهادئًا، دون تعطيل للمباريات أو تضخيم للحوادث. وبعد صافرة النهاية، استمر نفس النسق في تدبير خروج الجماهير وتنظيم حركة السير، ما جعل نهاية المباراة امتدادًا طبيعيًا لبدايتها الهادئة.
منظومة لا تبحث عن الأضواء
وراء هذا النجاح، تقف منظومة أمنية اشتغلت بمنطق التخطيط لا الارتجال، وبروح الفريق لا الفرد. منظومة تدرك أن أفضل أمن هو الذي لا يُلاحظ، وأن أعظم نجاح هو أن تمرّ الأمور وكأنها عادية. ولهذا بالذات، أصبح الأمن المغربي مثار اهتمام دولي، ليس لأنه استعرض قوته، بل لأنه أخفى جهده خلف سلاسة التنظيم.
رهان كُسب… وآخر نتمناه
اليوم، يمكن القول بثقة إن المغرب كسب رهان تنظيم كأس إفريقيا بكل تجلياته، وكسب رهان تأمينها دون ضجيج. كسب احترام القارة، ولفت أنظار العالم، ورفع سقف التوقعات لما هو قادم
ولا غرو أن ما أظهره المغرب في التنظيم، التسيير، الأمن، والمواكبة، جعل العالم يتطلع إلى تنظيم خرافي لكأس العالم، حين يحين الموعد، بثقة في تجربة أثبتت نجاعتها.

ويبقى رهان أخير، نتمناه مسك الختام ،أن يكسب المغرب رهان الفوز بالكأس، ليكتمل المشهد، ويُتوَّج العمل الصامت بفرحة مدوية، حينها فقط، سيكون العنوان مكتملًا، نجاح يحصد الأخضر واليابس
