الگارح ابو سالم
الطريقة المنحطة التي واجه بها حسام حسن الجماهير، وما رافقها من إشارات وحركات أقرب إلى “بلطجة الملاعب” واستعراضات فارغة، لا تعبّر عن مدرب منتخب بقدر ما تكشف عن عقلية عالقة في زمن بائد؛ زمن كانت فيه الفهلوة تُسوّق دهاءً، والصراخ يُقدّم قوة، والضجيج يُستعمل بدل الحجة، مع الأسف حسام حسن لم يستوعب بعد أن لكل أسلوب بيئته، وأن منطق التهريج قد يجد من يصفق له في أماكن معينة، لكنه ليس في المغرب، حيث يُقاس المدرب أولًا بعقله واتزانه، قبل أن تُحصى له النتائج أو تُمنح له الأعذار.
فما وقع في ملعب أدرار بأكادير لم يكن سوء فهم، ولا قراءة خاطئة للمشهد، بل تصرّفًا مستفزًا ومهينًا تجاه جماهير مغربية مارست حقها الطبيعي في تشجيع من تشاء، جمهور ساند منتخب بنين عن طواعية او كرد فعل على خطاب بعض الإعلاميين المصريين الذين أصرّوا، بعناد غريب، على تسويق “ضربة جزاء خيالية” لم يحتسبها الحكم، ولم يرها الفار، ولم يساندها أي ملاحظ محايد، وكأنهم أدرى بالقانون وبالتحكيم من كل المؤسسات القائمة..،ولاشك ان من يتحدث عن اللاعب السابق والمدرب الحالي للمنتخب المصري، حسام حسن، لا يستحضر إنجازاته بقدر ما يستحضر مشاهد العراك، والخناقات، والإشارات البذيئة، والشخصية الجدلية التي ظلت تلاحقه عبر السنين. شخصية لم تُفاجئ أحدًا عندما أعاد صاحبها إخراجها إلى الواجهة خلال مباراة مصر وبنين، مؤكّدًا مرة أخرى أن المشكلة ليست في لحظة غضب عابرة، بل في سلوك متجذر،

أما محاولات الإعلام المصري تدارك الموقف، فهي مفهومة من زاوية واحدة فقط: منتخبهم ما زال في سباق المنافسة، ويحتاج إلى دعم الجماهير المغربية في المواعيد الصعبة المقبلة. لكن هذا لا يبرر الحركات التي صدرت عن المدرب، ولا يزيدها إلا فجاجة، وفي الحالة التي بين أيدينا، يصدق القول المغربي البليغ:“العيب إلا جا من دار العيب ماشي عيب.”، لأن الجميع شاهد، وبوضوح، تصرفًا غير مقبول يستفز جمهورًا بأكمله، دون أدنى مبرر، ففي كرة القدم الحديثة، لا مكان لثقافة التهديد، ولا لخطاب الشارع، ولا لعقلية “الفتوة” التي تجاوزها الزمن. ونتساءل لماذا لحد الان لم يتم تفعيل القانون التأديبي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وتحديدًا المادة 147 المتعلقة باستفزاز الجمهور، والتي تنص صراحة على توقيف أي مسؤول يثبت تورطه في مثل هذه الأفعال لثلاث مباريات، مع غرامة مالية لا تقل عن 10 آلاف دولار. القانون واضح، ولا يُفصَّل على المقاس.

وما زاد الطينة بلة ،تلك المبادرة السخيفة للاعب أحمد سيد “زيزو”، التي قُدّمت على أنها محاولة لاستمالة الجماهير المغربية عبر شراء التذاكر وتوزيعها، لتضيف إلى ذلك اهانة أخرى و سوء التقدير. فالجماهير المغربية ليست جمهورًا للإيجار، ولا تُستدعى بالصدقات الكروية. الدعم يُكسب بالاحترام، لا بالاستدراك المتأخر، ولا بمحاولات التلميع بعد الإساءة.، جماهير أكادير، التي دعمت المنتخب المصري في مباريات سابقة، فهمت الدرس جيدًا. لأن الكرم حين يُقابل بالوقاحة، يتحول إلى خطأ. والتاريخ الرياضي مليء بالعبر، وأبسطها: “إذا أكرمت اللئيم تمردا .”
في نفس السياق :
الانتصار داخل الملعب لا يمنح صاحبه رخصة الاستهزاء بالآخرين. ما قام به عمورة لاعب المنتخب الحزائري، تجاه المشجع الكونغولي، بتقليد حركاته ثم السقوط الاستهزائي أرضًا، لم يكن فرحًا بريئًا بقدر ما كان سخرية غير مبررة من مشجع لم يستفز ولم يتجاوز حدوده ،بل مارس طقوسه بصمت رمزي و بدون ان يسيء لأي كان ، و أصبح بذلك أيقونة جماهيرية ستظل حديث الصحافة العالمية، و قد رسّخ معنى راقيًا للتشجيع، مستحضرًا روح باتريس لومومبا، أحد رموز إفريقيا . مفارقة أن يُسخر من رسالة نبيلة باسم الاحتفال،الفرح حق مشروع، لكن ليس على حساب كرامة شخص محترم..وكم كان بليغًا وجميلاً أن تحضر روح باتريس لومومبا في مدرجات عاصمة المملكة، المدينة التي خلدت اسمه بإطلاقه على أحد شوارعها، وكأن التاريخ اختار أن يعود من بوابة الرياضة، ليذكّر بأن الذاكرة لا تموت.، لقد دخل هذا المشجع سجل الخلود، لأنه منح مئات الملايين من المشاهدين سببًا فرجويًا نبيلًا للبحث في تاريخ الزايير، والتعرّف على مسار نضال إفريقي صادق، بعيدًا عن التزييف والاختزال. كرة القدم قد يراها البعض لعبة عابرة، لكنها في هذه اللحظة تحوّلت إلى رسالة، وإلى جسر ثقافي وإنساني يتجاوز حدود المستطيل الأخضر…لك مني كل التحية والتقدير، ولترقد روح باتريس لومومبا، وكل مناضلي إفريقيا، في سلام
وهذه ليس لها علاقة بما سبق:
حتى لا يُقال إننا نتحامل على الجزائر…
تفاديًا لأي تأويل مغرض، وحتى لا يُدرج هذا النقاش في خانة الاصطفاف أو التحامل، يكفي الرجوع إلى ما قيل خارج الدوائر العربية، وتحديدًا في التحليل الذي قدّمته القناة الفرنسية RMC عقب مباراة الكونغو والجزائر، ففي قراءة تقنية هادئة، وجّه محللو القناة انتقادات صريحة لأداء الحكم المصري الذي أدار اللقاء، معتبرين أنه كان طرفًا مؤثرًا في اختلال ميزان العدالة داخل المباراة. التحليل أشار بوضوح إلى حرمان منتخب الكونغو من ضربة جزاء وُصفت بالواضحة، في وقت تغاضى فيه الحكم عن طرد لاعب جزائري بعد تدخل صريح، كان يستوجب بطاقة حمراء دون نقاش….ووفق ذات التحليل، فإن هذه الأخطاء لم تكن معزولة ولا هامشية، بل تكررت في لحظات مفصلية، وأسهمت بشكل مباشر في تغيير مجرى المباراة. إذ إن احتساب ضربة الجزاء المستحقة للكونغو في توقيت حاسم كان كفيلًا بقلب موازين اللقاء خلال التسعين دقيقة، وفرض سيناريو مختلف تمامًا عن الذي انتهت عليه المواجهة. والخلاصة التي خرج بها محللو RMC لم تكن اتهامًا لمنتخب، ولا تقليلًا من قيمته، بل وجهة نظر فقط.

