هذا ما كان ف الكان الدراجي.. وعندما يتحول المعلّق من ناقل للحدث إلى جزء من المؤامرة – الحلقة 29/13

0

الگارح ابو سالم

هذا العمود لا يهدف إلى تتبع كل ما يتفوّه به المعلّق حفيظ الدراجي، لأن ذلك لم يعد مجديًا. الرجل الذي كان يومًا صوتًا رياضيًا مختلفًا، يحظى بالتقدير خارج الجزائر على وجه الخصوص، اختار منذ مدة أن يغادر مقام الوصف والتحليل، وينزلق إلى خطاب الإيحاء والتلميح والاصطفاف وراء الطغمة الحاكمة في الجزائر .وعندما يتحول المعلّق من ناقل للحدث إلى جزء من الضجيج المحيط به، يصبح تجاهل كلامه خيارًا مفهومًا. لكن ماذا حين يختار الصمت في لحظة تستوجب الكلام؟ هنا تحديدًا تبدأ المساءلة.
السؤال ليس ماذا قال حفيظ الدراجي، بل: لماذا لم يقل شيئًا في هذه النازلة ؟ اي بعد مباراة الجزائر وغينيا الاستوائية بملعب مولاي الحسن، حين سُجّل اختفاء كرتين رسميتين من أصل الكرات المخصصة للمباراة. الواقعة لم تُبنَ على إشاعة ولا على رواية عابرة، بل على تسلسل واضح: نقص في عدد الكرات، مراجعة لتسجيلات الكاميرات، ظهور أحد أفراد الطاقم الجزائري وهو يحمل كرة خلال فترة الاستراحة، إنكار أولي، ثم اعتراف بعد مواجهة الدليل، فإرجاع الكرة تحت إشراف منسقة تابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم. خبر موثّق بالصورة والفيديو، جرى تداوله على نطاق واسع، دون أن يصدر أي نفي رسمي يدحضه.

لسنا هنا في حاجة إلى بلاغ من الكاف يؤكد أو ينفي، بقدر ما يهمنا رأي “المعلّق التحفة” في هذه النازلة. لماذا لم يتكلم؟ لماذا لم يشكك، كما اعتاد؟ لماذا لم يصف الأمر بالمؤامرة؟ لماذا لم يطالب بأدلة إضافية؟ صمت كامل. وفي العمل الإعلامي، الصمت أمام حدث موثّق لا يُقرأ على أنه حياد، بل يُحسب موقفًا واعيًا.
ثم خرجت تبريرات من جهات أخرى، لا من صاحب الصوت الأشهر، مفادها أن نية السرقة غير موجودة، وأن الهدف كان قراءة الأدعية والمعوذات على الكرة لإزالة “السحر الأسود”. هنا يُطرح سؤال بسيط، ونترك للدراجي فرصة الإجابة: هل هذا تفسير يُقنع جمهورًا عاقلًا؟ كيف يمكن تخصيص كرة واحدة من بين خمس عشرة لتكون “المباركة”؟ ومن يضمن أصلًا أنها ستكون الكرة التي ستُستعمل لاحقًا؟ حين ينحدر الدفاع إلى هذا المستوى، يصبح الصمت عنه إدانة ضمنية.
لكن لماذا يصمت الدراجي هنا، بينما لا يتوقف عن الكلام في مواضع أخرى أقل أهمية؟
خلال المباراة نفسها، لم يهدأ له بال وهو يكرر ويؤكد ويشدّد على أن والدة رياض محرز ليست مغربية، وأن الجدة فقط مغربية. لا ندري ما علاقة هذا التفصيل بسير المباراة؟ ولماذا هذا الإصرار، وكأن الأمر يحتاج إلى تسطير بالبنط العريض، على أن محرز “جزائري مائة بالمائة”؟ لا أحد ينازع جزائرية اللاعب ولا اختياراته، لكن هذا الحرص المرضي على نفي أي امتداد رمزي للمغرب يكشف أن المسألة لم تعد معلومة، بل هاجسًا وعقدة راسخة .
والمنطق بسيط: إذا كانت الجدة مغربية، فذلك جزء من الشجرة العائلية، لا يُمحى بالتكرار ولا بالإنكار. وفي عروق محرز دم مغربي احب من احب وكره من كره ، أما تحويل هذا المعطى إلى محور تعليق في قناة رياضية يتابعها الملايين، فليس تحليلًا، بل عبثٌ مهني صريح.

السؤال نفسه يتكرر مع الصورة.
حين يستعرض التلفزيون الجزائري نتائج المباريات، فيُحذف علم المغرب ويُتجاوز اسمه، يمكن افتراض الخطأ مرة واحدة. لكن حين يتكرر، يتحول إلى قرار تحريري. فأين موقف الدراجي؟ أليس هذا مسًّا بأبسط قواعد المهنية التي يتشدق بها ؟ ولماذا لا نسمع اعتراضًا باسم الصحافة التي يُفترض أنه يدافع عنها؟ ولو لمرة واحدة، لماذا لا ينصح قومه بأن تزييف الحقائق لن ينال من المغرب قيد أنملة؟
ثم نصل إلى التغطيات الميدانية. مراسلون يختارون الظلام والفراغ في بطولة يشهد الجميع بحسن تنظيمها. عدسات تبحث عن الزوايا الهامشية بدل الملاعب والفضاءات الرسمية. هنا يُطرح سؤال آخر: هل هذا نقل للواقع أم انتقاء متعمد له؟ وأنت العارف بأن الخبر مقدس، وأن تحريف الصورة لا يخدم مهنة الصحافة، لماذا لا تنبّه زملاءك إلى هذا الانزلاق؟ لماذا لا تقول لهم إن ما يُبث في قنواتهم يتناقض مع ما تنقله القناة التي تعمل بها؟
وحين يُنسى ميكروفون مشتعلاً، وتنكشف لحظة تحريض مراسل جزائري على الاحتجاج بسبب غياب التذاكر، فقط لصناعة سردية المؤامرة، رغم أن الاتحادية الجزائرية نفسها هي من اقتنت تلك التذاكر، يُطرح السؤال مجددًا: أين يكون موقع المعلّق “المهني” من هذا السلوك؟
بعد كل ذلك، تعود معاقنا التحفة إلى أسطوانتك المشروخة: المؤامرة.
وتريد إقناع الناس بأن الجزائر مستهدفة، في وقت أن نظام كأس إفريقيا، المعتمد منذ 2019، هو نفسه الذي استفادت منه الجزائر سابقًا، ويُقدَّم اليوم كدليل اضطهاد. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل المشكلة في النظام أم في القراءة الانتقائية له؟ ولماذا تخفي صوتك كلما حضرت النصوص والدلائل ؟
في زمن الصورة المباشرة وتدفق المعلومة، لم يعد الكذب على الوقائع ولا التحايل على الحقائق ينطلي على أحد. لم تعد الروايات المصنوعة، ولا قصص المؤامرة الجاهزة، قادرة على طمس ما توثقه الكاميرات وتثبته الوقائع. الحقيقة اليوم لا تحتاج إلى من يدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى من لا يشوّهها.
الإعلام، في جوهره، ليس فنّ المراوغة ولا مهارة الالتفاف، بل مسؤولية قول ما هو كائن كما هو، بلا زيادة ولا نقصان. وحين تعجز اللغة عن ملامسة الحقيقة، يصبح الصمت أكرم من التزييف، وأقرب إلى المهنية من خطاب يفتقد للوقائع.
وعليه، فالأمر لا يحتمل الالتباس:
إمّا أن تقول الحقائق كما هي، في القناة التي تمثلها، دون انتقاء ولا توجيه، وإمّا أن تختار الصمت، لأنه ـ في هذه اللحظة بالذات ـ أقل ضررًا من تضليل الجمهور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.