الاستحقاقات الانتخابية 2026: افتتاح ميركاتو الانتقالات بين الأحزاب 5/4

0

 

الكارح أبو سالم : 

هل انتهى زمن الحزب الإديولوجي في المغرب؟

لم يعد خبر انتقال قيادي من حزب إلى آخر حدثاً استثنائياً في المشهد السياسي المغربي، سواء تعلق الأمر بأحزاب الأغلبية أو المعارضة. ما كان يُقرأ سابقاً بوصفه “زلزالاً تنظيمياً” أصبح اليوم تفصيلاً عادياً في نشرات الأخبار. من تحركات داخل التجمع الوطني للأحرار ، إلى انسحابات من الأصالة والمعاصرة إلى انتقالات بين الحركة الشعبية وحزب الاستقلال ، وصولاً إلى ما يجري داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ، الصورة العامة واحدة: حركة دائمة للأشخاص، وثبات مقلق في الأفكار.

الحزب كما ينبغي أن يكون… والحزب كما صار

في المفهوم الفلسفي، الحزب ليس مجرد تنظيم انتخابي، بل تعاقد رمزي حول رؤية للعالم. هو إطار لتجميع الإرادات حول مشروع مجتمعي، وتعبير مؤسسي عن صراع اجتماعي أو فكري. الحزب، بهذا المعنى، وسيط بين الدولة والمجتمع، ومدرسة لإنتاج النخب، ومختبر للأفكار.

أما حين يتحول إلى “دكان انتخابي”، فإن الانتماء يغدو ظرفياً، والنضال يصبح سلماً نحو التزكية، والتزكية وسيلة نحو المقعد، والمقعد مدخلاً نحو التموقع في معادلة السلطة. هنا يفقد الحزب دلالته كهوية سياسية، ويصير مجرد قناة تقنية للعبور إلى البرلمان أو الحكومة.

من الإيديولوجيا إلى البراغماتية الشاملة

ما يثير القلق ليس انتقال الأفراد في حد ذاته؛ فالتحولات جزء من الحياة السياسية. القلق الحقيقي يكمن في ذوبان الحدود بين المشاريع. لم يعد ممكناً، في حالات كثيرة، التمييز بوضوح بين يمين ويسار، بين محافظ وتقدمي، بين ليبرالي واجتماعي. الخطابات تتقاطع، البرامج تتشابه، والتحالفات تُبنى وفق الحساب العددي لا وفق الانسجام الفكري.

حين يلتحق منتخب من حزب ليبرالي بآخر ذي خلفية اجتماعية، أو ينتقل إطار من حزب معارض تقليدياً إلى حزب يقود الحكومة، دون أن يصحب ذلك مراجعة فكرية معلنة أو نقداً ذاتياً واضحاً، فإن الرسالة الضمنية للمواطن تكون بسيطة: الإيديولوجيا لم تعد محدِّداً، بل مجرد عنوان.

الأغلبية والمعارضة… اختلاف المواقع لا اختلاف المنطق

الظاهرة لا تخص حزباً بعينه. في أحزاب الأغلبية، يُفسَّر جزء من التحركات برغبة في الاقتراب من مركز القرار. أما في المعارضة، فتُقرأ أحياناً باعتبارها بحثاً عن موقع أكثر فاعلية أو حظوظاً انتخابية أفضل. لكن في الحالتين، المنطق ذاته يحكم: الحساب الانتخابي يتقدم على الانسجام الفكري. بل إن بعض الأحزاب التي تأسست أصلاً كآلات انتخابية واضحة الأهداف، بات سلوكها مفهوماً في إطار براغماتي صرف. غير أن المقلق هو أن أحزاباً ذات تاريخ نضالي وإيديولوجي عريق أصبحت تخضع للمنطق نفسه، بما فيها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي شكل لعقود مدرسة في المعارضة والتأطير.

سؤال الاتحاد… وسؤال الفكرة

ما أثير حول انتقال أسماء وازنة، مثل التحاق عبد الهادي خيرات ب حزب التقدم والاشتراكية ، وما يُتداول بخصوص حسناء أبو زيد، لم يكن مجرد أخبار تنظيمية، بل مؤشرات على سؤال أعمق: هل ما يزال الحزب فضاءً لاحتضان اختلافه الداخلي، أم أصبح حريصاً على تماسكه العددي أكثر من حيويته الفكرية؟

الاتحاد، بحمولته الرمزية، ليس تنظيماً عادياً. إنه ذاكرة نضال وثقافة معارضة صنعت جزءاً من الوعي السياسي المغربي. لذلك فإن كل انسحاب يُقرأ بوصفه خسارة للمعنى قبل أن يكون خسارة رقمية. وحين يشعر مناضلون بأن الإطار لم يعد يسع اندفاعهم أو نبرتهم، فإن الأزمة لا تكون أزمة أشخاص، بل أزمة علاقة بين الفكرة وبنيتها التنظيمية.

الميركاتو السياسي… وأثره على الثقة

حين تصبح التزكية أهم من المشروع، والمقعد أهم من الخطاب، تتآكل الثقة العامة. المواطن الذي يتابع انتقالات متكررة، دون اختلافات فكرية جوهرية، يخلص إلى نتيجة واحدة: السياسة لعبة تموقع لا صراع رؤى.

هذا الإدراك ينعكس مباشرة على نسب المشاركة، وعلى صورة الأحزاب لدى الشباب، وعلى قدرة التنظيمات على تجديد نخبها. فالحزب الذي لا يُقنع بصلابة مرجعيته، لا يستطيع أن يطالب المواطن بصلابة انتمائه.

هل نحن أمام نهاية الإيديولوجيا؟

قد لا يكون الأمر نهاية الإيديولوجيا بقدر ما هو إعادة تعريف لها. فالأحزاب اليوم تشتغل في سياق معولم، تضغط فيه ضرورات التدبير والالتزامات الاقتصادية والرهانات الدولية. غير أن هذا لا يبرر اختفاء الفروق بالكامل. لأن السياسة بلا اختلاف حقيقي تتحول إلى إدارة تقنية، وتفقد جوهرها التداولي.

خلاصة العشرين سنة الأخيرة تكشف أن التشابه بات أكبر من التباين، وأن البراغماتية أصبحت القاسم المشترك. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه داخل كل حزب، أغلبيةً كان أو معارضة، هو: هل ما نعيشه تكيف مرحلي، أم تحول بنيوي يفرغ الحزب من معناه الدلالي؟ وبين الانتماء والنضال، بين الفكرة والمقعد، يقف المشهد الحزبي الوطني أمام امتحان المعنى. فالأحزاب لا تموت بقرار، بل حين يتسع الفرق بين اسمها وما تمثله فعلاً. والرهان اليوم ليس فقط في الفوز بالمقاعد، بل في استعادة الثقة بأن الحزب ما يزال بيتاً لفكرة… لا مجرد محطة عبور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.