الكارح ابو سالم
لم يعد هناك مجال للالتباس أو تدوير الزوايا. بعد أن رسّخ مجلس الأمن مساراً سياسياً قائماً على الواقعية والتوافق، بات واضحاً أن أي اجتماع أو مشاورات حول الصحراء المغربية لا يمكن أن تنطلق إلا من أرضية واحدة: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. لا استقلال خارج هذا الإطار، ولا دولة موازية داخل الدولة. من يدخل التفاوض اليوم وهو يحمل غير هذا السقف، إنما يفاوض وهماً.
المغرب قدّم مقترحه كحل نهائي، لا كمناورة ظرفية. حكم ذاتي بصلاحيات واسعة، مؤسسات منتخبة، تدبير فعلي للشأن المحلي، في إطار سيادة الدولة ووحدتها الترابية. هذه هي القاعدة. أما محاولة إعادة النقاش إلى نقطة الصفر، أو البحث عن “حل ثالث”، فليس سوى إطالة لعمر نزاع استُهلك سياسياً وأمَمياً.
حضور الجزائر في المسار السياسي واقع لا يمكن تجاهله، لكن هذا الحضور لا يمنحها حق فرض الشروط أو إعادة تشكيل موازين القوى. منطق توزيع الأدوار أو اقتسام النفوذ سقط. المغرب يفاوض من موقع سيادة على أرضه، لا من موقع نزاع بين أطراف متكافئة على ملكية معلّقة. من أراد الحضور فليحضر بلا شروط، وبلا محاولات للبحث عن مكاسب جانبية تحت الطاولة.
أما ما يسمى بالبوليساريو، فادعاؤها صفة “الطرف الأساسي” لا يغيّر من حقيقة أنها جزء من نسيج صحراوي أوسع يعيش ويمارس حقوقه داخل مؤسسات الدولة المغربية. الصحراويون في أقاليمهم يشاركون في الانتخابات، ويدبرون شؤونهم، ويتمتعون بتمثيلية سياسية واقتصادية واضحة. من بقي خارج هذا الإطار، فخيار العودة والاندماج في مشروع الحكم الذاتي هو الطريق الواقعي الوحيد. استمرار خطاب الميليشيا أو التلويح بالسلاح لا يصنع شرعية، بل يعمّق العزلة. العالم لا يتعامل مع كيانات هجينة تجمع بين خطاب سياسي وبنية مسلحة، وأي تصعيد غير محسوب لن يُقرأ إلا كتوتير مفتعل لمسار أممي يتجه نحو الحسم.
الحديث عن مقايضات ترابية أو البحث عن “غنيمة” تفاوضية، كما تُروَّج بعض الأصوات في الجوار، يكشف ارتباكاً أكثر مما يعكس رؤية استراتيجية. التسوية لا تُبنى على منطق اقتسام الكعكة، ولا على مساومات ظرفية. احترام السيادة والحدود هو الأساس، وأي طرح خارج هذا المنطق يضع صاحبه في مواجهة واقع دولي لا يعترف إلا بالحلول العملية القابلة للتنفيذ.
الحكم الذاتي ليس تنازلاً، بل أقصى ما يمكن أن يُقدَّم في إطار السيادة الوطنية. يجمع بين تمكين الساكنة من تدبير شؤونها وضمان وحدة الدولة واستقرارها. خيار الاستقلال الكامل لم يعد قابلاً للتحقق في ميزان التحولات الدولية، واستمرار الوضع القائم لا يخدم إلا إطالة أمد الجمود. لذلك فإن حلّ البنية الانفصالية، وإنهاء وهم الكيان الموازي، والانتقال إلى مرحلة الإدماج تحت سقف الحكم الذاتي، ليس خياراً مؤجلاً بل ضرورة سياسية.
لا مفاوضات خارج هذا الإطار، ولا شروط تعلو عليه. من أراد أن يكون جزءاً من المستقبل، فليدخل من باب الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ومن أصرّ على البقاء في مربع المناورة، فسيجد نفسه خارج الزمن السياسي. الواقع حُسم، والمسار واضح، والباقي مجرد ضجيج.
