الكارح ابو سالم
ما تتحفنا به قنواتنا العمومية اليوم لا يواكب السرعة التي يتحول بها المجتمع المغربي. الشاشة تسير بخطى بطيئة، بينما الواقع يركض. في الوقت الذي تغيّرت فيه الذائقة، وتطورت أدوات السرد، وتبدلت أنماط العيش والتفكير، ما زال جزء كبير من إنتاجنا الدرامي عالقاً في قوالب مستهلكة، برؤية إخراجية متواضعة، وصورة بصرية لا تعكس الطفرة التقنية التي يعرفها العالم.
الأزمة ليست قدراً، وليست نتيجة “قلة ذات اليد” كما يُروَّج أحياناً. حين خرج الرئيس المدير العام لـالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في خرجة إعلامية يستحضر فيها مقارنة مع Netflix، ويستشهد بميزانية حلقة من The Crown، بدا الأمر وكأنه محاولة لتأطير النقاش في مربع خاطئ. لا أحد يطالب بتنانين رقمية ولا بإنتاجات بميزانيات خيالية. السؤال أبسط: كيف تُصرف الميزانيات المرصودة سنوياً؟ وأين يضيع أثرها على الشاشة؟
العلبة السوداء اسمها “طلبات العروض”. هناك تُحسم اللعبة قبل أن تبدأ. مساطر قانونية محترمة شكلاً، لكن النتائج تتكرر مضموناً. شركات بعينها تحتكر مواسم كاملة، تتقاسم “كعكة رمضان”، وتعيد تدوير الأسماء والوجوه والأنماط نفسها. الشباب يُطلب منهم الانتظار بدعوى نقص التجربة، بينما التجربة نفسها محجوزة سلفاً لمن اعتادوا الواجهة. ليست المشكلة في فوز شركة أو اثنتين، بل في تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى احتكار مقنّع.
ثم تأتي ثقافة تضخيم الفواتير وتقليص زمن الإنتاج. أعمال تُعلن ميزانياتها بالملايين، لكن الصورة على الشاشة باهتة، والديكور فقير، والإخراج متسرع. حين يُختزل زمن التصوير في أسابيع معدودة لتوفير السيولة، وحين يُضغط على الفريق لإنهاء المشاهد بسرعة قياسية، يصبح من الطبيعي أن تخرج النتيجة مرتبكة. الجودة تحتاج وقتاً، والوقت في منطق الربح السريع ترف غير مرغوب فيه.
أكبر الخاسرين هو النص. في كل التجارب الناجحة عالمياً، السيناريو هو العمود الفقري. عندنا يُدفع إلى الهامش بأجر هزيل وضغط زمني خانق. شخصيات بلا عمق، حوارات مصطنعة، مواقف لا تشبه الناس. لا بحث اجتماعي حقيقي، ولا اشتغال على التفاصيل. بائعة بسيطة تظهر بهاتف فاخر وملابس لا تنتمي لطبقتها، ليس لأن المجتمع تغيّر، بل لأن منطق “الصورة الجميلة” طغى على منطق الصدق الدرامي.
الكاستينغ بدوره تحكمه شبكات العلاقات أكثر مما تحكمه اختبارات الأداء. الوجوه نفسها تتكرر، والكيمياء نفسها يُعاد تسويقها. ما حدث مع ثنائية المحجوبة والتيبارية في 2 وجوه مثال واضح: بدل تطوير التجربة، تم استنساخها حتى فقدت بريقها. الضحك يتحول إلى صراخ، والمبالغة تصبح بديلاً عن البناء الدرامي المتقن.
حتى الأعمال التي تستثمر في المكان تفشل أحياناً في إنصافه. في جزءها الثالث، بدت بنات لالة منانة وكأنها تستخدم المدينة مجرد خلفية باهتة. شفشاون ليست ديكوراً للقطات عابرة؛ هي تاريخ وذاكرة وهوية. حين يُختزل المكان في صورة نمطية، يخسر العمل عمقه، ويخسر الجمهور فرصة رؤية ذاته في مرآة فنية صادقة.
حتى التفاصيل البصرية البسيطة تثير الجدل، كما حدث عند اعتماد الأرقام الشرقية في عرض السنة الهجرية على القناة الأولى. قد يبدو الأمر شكلياً، لكنه يكشف وعياً متزايداً لدى المشاهد، الذي لم يعد يتلقى بصمت. الجمهور المغربي اليوم يقارن، ينتقد، ويتساءل. المشكلة ليست في ارتفاع سقف انتظاراته، بل في انخفاض سقف ما يُقدَّم له.
الخلل إذن ليس في مقارنة أنفسنا بالآخرين، بل في استعمال المقارنة ذريعة لتبرير الرداءة. لدينا طاقات شابة، ممثلون موهوبون، تقنيون أكفاء، وميزانيات ليست هزيلة. ما ينقص هو الرؤية والحكامة والمحاسبة. حين يُحمى النص، ويُمنح المخرج وقتاً كافياً، وتُربط الميزانية بالنتيجة لا بالشعارات، يمكن أن تتغير المعادلة.
السؤال الذي يتردد كل موسم ليس: لماذا لسنا مثل “The Crown”؟ بل سؤال أبسط وأكثر إلحاحاً: متى نحترم ذكاء المشاهد المغربي؟ حين يصبح هذا السؤال معيار القرار، لا مجرد شعار عابر، يمكن للدراما المغربية أن تبدأ فعلاً في اللحاق بمجتمع سبقها بأشواط
