رمضان بلا رتوش: الانتاجات التلفزية الرمضانية.. حين تجمل الرداءة بنسب المشاهدة – الحلقة 30/04

0

الكارح ابو سالم

هذه مجرد قراءة أولية لما يُعرض علينا في رمضان، اثناء الافطار ، باعتباره “وجبة دسمة” بينما هو في كثير من الأحيان طبق مُعاد التسخين، مُغلف بأرقام ونسب مشاهدة تُقدَّم كأنها شهادة جودة. والاستناد إلى معطيات متروك متري لا يكفي لإقناع جمهور صار يعرف الفرق بين أن يشاهد لأنه لا بديل أمامه، وبين أن يشاهد لأنه مقتنع ومُستمتع. المشاهدة ليست الرضا، والانتشار ليس دليل قيمة.


المشكلة أعمق من عمل بعينه. نحن أمام منظومة إنتاجية تدور في حلقة مغلقة، حيث تستحوذ شركات محدودة على أغلب “الكعكة” الرمضانية، فتتشابه الرؤى وتتكرر الوجوه وتُعاد نفس الوصفات السردية. حين يضيق هامش المنافسة، يضيق الخيال، وتتحول الدراما إلى صناعة مناسبات لا صناعة معنى.

في القناة الثانية عادت بنات للا منانة إلى الواجهة كأن الزمن لم يتحرك. إعادة الإنتاج ليست خطيئة في حد ذاتها، لكن الخطيئة أن تعود دون مبرر درامي حقيقي، دون رؤية جديدة تبرر النبش في عمل استهلك زمنه. بدا واضحًا أن الرهان كان على الاسم، على الذاكرة، لا على نص محكم أو حبكة متماسكة. الحوارات في كثير من اللحظات بدت متفلتة من سياقها، والجرأة أحيانًا اتخذت شكل صدمة مجانية أكثر مما كانت ضرورة فنية. الأداء التمثيلي بدوره لم يسعف النص؛ شعرت وكأن بعض الممثلين يتحركون داخل مشاهد مفككة، كل يؤدي دوره في عزلة عن الآخر، في غياب روح جماعية تصنع الإيهام.


الكوميديا، التي يفترض أن تكون متنفسًا ذكيا، سقطت في فخ التكرار والسهولة. الضحك صار يُطلب بالقوة، عبر نكتة مباشرة أو مبالغة صوتية أو لعب سطحي على اللهجة. حتى الأعمال التي يمكن وصفها بالمقبولة، مثل حكاية شامة بقناة دوزيم أو عش الطمع على مستوى القناة الاولى ، بقيت في منطقة الأمان؛ لا مغامرة في البناء، ولا مفاجأة في السرد. أما مسلسل الثمن، فبدا وكأنه يبحث عن هوية ضائعة، فلا هو دراما مكتملة النضج، ولا هو سيتكوم واضح المعالم، بل عمل يتأرجح بين الاثنين دون أن يرسو.

في ام بي سي 5 تتخذ الرداءة شكلًا آخر. الكاميرا الخفية في آلف ليلة ، حيث تحولت إلى تمرين على الإحراج بدل أن تكون تمرينًا على الذكاء. الضحك هنا لا ينبع من المفارقة، بل من وضع الفنان في موقف مربك يمس صورته أكثر مما يخدم الترفيه. مؤلم أن يُختزل حضور فنان في رد فعل عفوي على “مقلب” مُعد سلفًا بلا خيال.

أما محاولة استنساخ أجواء الهيبة عبر مسلسل رأس الجبل ، فهذا العمل يجسد أزمة هوية واضحة. الدراما ليست قالبًا يُنقل من بيئة إلى أخرى كما تُنقل الديكورات. حين يُستورد النموذج دون إعادة كتابة عميقة تُراعي السياق المحلي، تتحول الشخصيات إلى أقنعة، ويتحول الصراع إلى استعراض. النتيجة عمل بلا روح، يُنجز تحت الطلب، وتُفرض على ممثليه أدوار لا تشبههم. ،مسلسل رحمة في جزء آخر ، بدوره غرق في ميلودراما ثقيلة، حيث يتراكم التوتر المفتعل بدل أن يتصاعد الصراع بشكل طبيعي، فتتحول المعاناة إلى استهلاك عاطفي لا أثر له بعد نهاية الحلقة.،ولا ادري لماذا جزء ثاني ،والجزء الأول أصلا لم يكن ذا عمق درامي .،دون الحديث عن ما يسمى سيتكوم،عمارة السعادة الذي فشل المخرج هشام الجباري في تحويل انظار عشاقه من الثنتين الاولى والثانية إلى الام بي سي ،فالعمل يبدو مفككا و يفتقد إلى كتابة كوميدية تعتمد اكثر على المواقف لا على التهريج المجاني .

هذه قراءة أولية فقط، لكنها تكفي لتطرح سؤالًا بسيطًا: إلى متى سنكتفي بترديد أرقام نسب المشاهدة ونعتبرها انتصارًا؟ الأرقام قد تقول إن الجمهور شاهد، لكنها لا تقول إنه اقتنع. قد تعني أن الناس تركوا التلفاز مفتوحًا، لا أنهم وجدوا أنفسهم داخل ما يقدم لهم . النقد هنا ليس ترفًا ولا مزايدة، بل محاولة للدفاع عن حق المشاهد في محتوى يحترم ذكاءه، وعن حق الدراما المغربية في أن تكون امتدادًا لواقعها لا ظلًا باهتًا لتجارب غيرها.

رمضان ليس موسم تصفية مخزون، ولا مناسبة لتجريب وصفات جاهزة. هو لحظة اختبار حقيقية للخيال والهوية. وإذا كانت هذه مجرد قراءة أولية، فإن ما يليها قد يكون أعمق وأقسى، لأن الصمت عن الرداءة هو ما يجعلها قاعدة،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.