بقلم: محمد الغياط
يعرف المجتمع المغربي دوليًا بقيم الضيافة والكرم؛ فاستقبال الزوار بالترحاب والاحترام يُنظر إليه كجزء من منظومة ثقافية متأصلة في الوعي الجماعي. ويلاحظ المتتبع لشهادات السياح والمشاركين في التظاهرات الرياضية والثقافية والعلمية أن صورة “المغربي المرحّب” تكاد تكون قاسماً مشتركاً في كثير من الانطباعات. تحاول هذه المقالة تقديم قراءة اجتماعية ونفسية لهذه الظاهرة، لفهم جذورها التاريخية والثقافية، ودلالاتها المعاصرة، وانعكاساتها على صورة المغرب في العالم.
أولاً: الضيافة كنسق ثقافي متجذّر :
يؤكد الخطاب الرسمي والثقافي في المغرب أن الضيافة ليست مجرد سلوك فردي، بل قيمة جماعية متوارثة. ويبرز المكتب الوطني المغربي للسياحة في تعريفه للوجهة المغربية أن استقبال الضيف بالشاي والحلوى والابتسامة الصادقة جزء من “روح المكان”، وهي ممارسة يومية في البيوت والأسواق والفضاءات العامة.
من منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذه القيمة في إطار ما يسميه علماء الاجتماع “رأسمال التضامن الاجتماعي”، حيث تتأسس العلاقات داخل المجتمع التقليدي على التكافل، وإكرام الغريب، وحمايته. وقد بيّن عالم الاجتماع بول باسكون في تحليلاته للمجتمع القروي أن بنية العلاقات في المغرب تقوم على التشابك بين العائلة والقبيلة والجوار، وهي بنية تعطي أهمية كبيرة لفكرة “الوجه” والسمعة، مما يجعل حسن استقبال الضيف معياراً أخلاقياً واجتماعياً.
ثانياً: البعد التاريخي وتعدد الروافد الحضارية :
عرف المغرب عبر تاريخه الطويل تداخلاً حضارياً واسعاً، بحكم موقعه الجغرافي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. هذا التعدد الثقافي أسهم في تشكيل ذهنية منفتحة على الآخر. وقد حاول الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز في دراساته حول المجتمعات المغاربية تحليل الرموز الثقافية التي تنظّم الحياة اليومية، معتبراً أن فهم سلوك الناس يمر عبر فهم المعاني التي يعطونها لأفعالهم.
في السياق المغربي، يُفهم استقبال الغريب ليس فقط كفعل أخلاقي، بل كطقس رمزي يؤكد هوية الجماعة ويعكس صورتها عن نفسها أمام الآخر. فالضيف يصبح مناسبة لإظهار الكرم، والاعتزاز بالثقافة المحلية، وإعادة إنتاج القيم الجماعية.
ثالثاً: التفسير السيكولوجي – بين الهوية والتعاطف :
من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن تفسير حب المغربي للآخر عبر عدة آليات:
الهوية الاجتماعية: الفرد يسعى إلى تقديم صورة إيجابية عن جماعته. عندما يُحسن معاملة الزائر، فهو يعزز صورة “المغاربة شعب كريم”.
التعاطف والتقمص الوجداني: المجتمع الذي يعرف تجربة الهجرة والاغتراب (كما هو حال عدد كبير من المغاربة في الخارج) يطوّر حساسية خاصة تجاه الغريب.
الحاجة إلى الاعتراف: التفاعل الإيجابي مع الأجنبي يمنح شعوراً بالفخر والانتماء، ويؤكد قيمة الذات الجماعية.
وقد أشارت تقارير صحفية وتحليلات ثقافية في منصات دولية مثل Morocco World News إلى أن كثيراً من السياح يصفون تجربتهم في المغرب بأنها “إنسانية” قبل أن تكون سياحية، وهو توصيف يبرز مركزية البعد العلاقي في التجربة المغربية.
رابعاً: السياحة والفعاليات الدولية كفضاء لإبراز القيم :
تتجلى ثقافة الترحيب بوضوح في المدن التي تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار، مثل مراكش وفاس والرباط. ففي المهرجانات الثقافية، والملتقيات العلمية، والتظاهرات الرياضية، يلاحظ الزائر سهولة الاندماج والتواصل مع السكان المحليين.
هذا السلوك لا يخلو من أبعاد اقتصادية، إذ تسهم السياحة في دعم الاقتصاد الوطني، لكن اختزاله في المنفعة المادية فقط يُعد تبسيطاً. فالممارسات اليومية للكرم في الأحياء الشعبية والقرى البعيدة عن المسارات السياحية تؤكد أن الأمر يتجاوز الحسابات الربحية ليصل إلى مستوى القيم الراسخة.
– وقبل الختام يجب التأكيد على أنه
رغم الصورة الإيجابية العامة، لا يمكن إغفال وجود تباينات في التجربة السياحية، تختلف باختلاف المناطق والظروف الاجتماعية والاقتصادية. غير أن هذه الحالات تبقى جزئية مقارنة بالصورة الكلية التي تتكرر في شهادات كثيرة، ما يعزز فرضية أن ثقافة الترحيب عنصر بنيوي في الشخصية الاجتماعية المغربية.
خاتمة
إن حب الإنسان المغربي للآخر ليس سلوكاً عفوياً معزولاً، بل هو نتيجة تفاعل تاريخي وثقافي ونفسي عميق. فالضيافة في المغرب تمثل قيمة اجتماعية، وآلية لتعزيز الهوية الجماعية، ووسيلة لبناء جسور التواصل بين الثقافات. وهي في الآن ذاته رأسمال رمزي ينعكس إيجاباً على صورة البلاد دولياً.
وعليه، فإن دراسة هذه الظاهرة تستحق مزيداً من البحث الميداني المقارن، لفهم تحولات قيم الضيافة في ظل العولمة، وكيف يمكن الحفاظ على هذا الرصيد الثقافي وتعزيزه في المستقبل.
في الجزء الثاني استعرض جانبا مهما يتعلق بالمقارنة بين الانسان المغربي والآخر وكيف ينظر الي المغربي خارج بلاده وكذلك ردود فعل بعض الزوار خلال تظاهرة كأس أفريقيااكرة القدم الكان2025\ 2026التي نظمت بالمغرب
☆بقلم محمد الغياط باحث جامعي في الاعلام والصناعة الثقافية 14\2\2026
