الاستحقاقات الانتخابية: بين ضعف الأغلبية وارتباك المعارضة هل تُفرز 2026 نخبًا بديلة؟

0

الكارح ابو سالم

ليست الانتخابات التشريعية المقبلة مجرّد محطة دورية في رزنامة سياسية مألوفة، بل تبدو أقرب إلى لحظة فرز تاريخي. نحن على أعتاب رهانات كبرى: تحولات دولية متسارعة، استحقاقات اقتصادية واجتماعية ضاغطة، وأفق 2030 بما يحمله من مشاريع كبرى وتحديات بنيوية. السؤال لم يعد من سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، بل: من يملك القدرة على تحويل هذا المنعطف إلى فرصة لإعادة ترتيب الداخل سياسيًا ومؤسساتيًا؟
الرهان اليوم يتطلب أحزابًا ذات قوة في التدبير، وعقلانية في التسيير، وقيمة مضافة حقيقية في صياغة السياسات العمومية. غير أن قراءة هادئة في وضعية عدد من الأحزاب التي تتقاسم المشهد تثير القلق. تصدعات داخلية، ارتباك في الخطاب، محدودية في الأداء الحكومي، وعجز عن إقناع الرأي العام بجدوى الخيارات المتبعة. كيف يمكن خوض رهان إعادة البناء في ظل أحزاب لم تنجح بعد في تدبير انسجامها الداخلي؟
حزب الأصالة والمعاصرة الذي ناور طويلًا منذ انتخابات 2011 لقيادة الحكومة، لم يقدم نموذجًا لحزب ذي كاريزما سياسية واضحة أو مرجعية صلبة. بل إن ما يطفو إلى السطح في فترات متقطعة هو أخبار المتابعات القضائية وسقوط أسماء من قيادات أو منتخبين في قضايا فساد، بعضها مالي وبعضها جنائي، وإن كانت لم تُحسم كلها بأحكام نهائية. غير أن الأثر الرمزي لمثل هذه القضايا يظل ثقيلًا على صورة العمل الحزبي وعلى ثقة المواطنين في النخب.
وفي خضم هذا المشهد، برزت خرجة بعض القيادات الحزبية، التي حاولت التموضع مبكرًا في أفق تشكيل الحكومة المقبلة، مستثمرة تحولات داخل التحالفات أو انسحاب هذا الاسم أو ذاك من واجهة التنافس. غير أن ردود الفعل غير المريحة التي رافقت بعض هذه التصريحات تكشف أن الرأي العام لم يعد يتفاعل بسهولة مع منطق إعادة توزيع المواقع، بقدر ما ينتظر أجوبة عن أسئلة العيش اليومي: الصحة، التعليم، الأسعار، الشغل.
أما حزب الأحرار، الذي قاد التجربة الحكومية الأخيرة، فيواجه بدوره امتحان الحصيلة. سنوات من التدبير اتسمت بأزمات اجتماعية خانقة، ارتفاع في كلفة المعيشة، اختلالات مزمنة في قطاعي الصحة والتعليم، وتوترات متكررة في قطاعات مهنية. وإذا ما تم فعلاً تشديد شروط الترشح وإقصاء المتابعين قضائيًا، كما يُتداول في بعض المقاربات المنسوبة لوزارة الداخلية، فإن عدداً من الأعيان الذين شكّلوا خزّانًا انتخابيًا تقليديًا قد يجدون أنفسهم خارج السباق، ما سيؤثر حتمًا في موازين القوى داخل أحزاب الأغلبية والمعارضة معًا.
حزب الاستقلال، بدوره، لم يعد ذلك التنظيم الذي كان يُضرب به المثل في الانضباط والكاريزما التاريخية. حضوره الحكومي ظل باهتًا مقارنة بماضيه، ونتائجه الانتخابية المقبلة تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات. أما أحزاب المعارضة، فالكثير منها لم ينجح في بناء “حكومة ظل” فعلية أو في تقديم مشروع مجتمعي متكامل، مكتفية بمعارضة ظرفية تفتقر إلى النفس الاستراتيجي.
كل هذا يجعل الاستحقاقات المقبلة مفتوحة على مفاجآت. قد لا تفرز صناديق الاقتراع أغلبية مريحة، وقد نكون أمام برلمان موزع على كتل متقاربة، ما سيجعل تشكيل الحكومة المقبلة تمرينًا معقدًا في الهندسة السياسية. وفي هذا السياق، قد تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة: حكومة تقوم على كفاءات عالية، أكثر تيقنوقراطية في تنفيذ السياسات العمومية، وأقل ارتهانًا لمنطق التوازنات الحزبية الضيقة.
غير أن التحول الأعمق قد يكون في طبيعة التمثيلية نفسها. فمع تشديد شروط الترشح، ومنع المدانين في قضايا المال العام أو الجرائم الخطيرة من ولوج المؤسسات المنتخبة، قد يُفتح المجال أمام كفاءات شابة وأطر مهنية وأكاديمية تفرض حضورها بشرعية الأداء لا بشرعية النفوذ. وقد يشكّل هذا التحول قطيعة مع مرحلة تسرّبت فيها شبكات المال والسلطة إلى قلب العملية الانتخابية، ما أضعف ثقة المواطنين في جدوى المشاركة.
لقد أشار عدد من التقارير الرقابية، وعلى رأسها ملاحظات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات برئاسة زينب العدوي الى اختلالات عطّلت مشاريع كبرى وأهدرت فرصًا تنموية حاسمة. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نملك الشجاعة السياسية لتجفيف منابع الفساد الانتخابي، واستعادة روح دستور 2011 في جوهره لا في شكله فقط؟
الانتخابات المقبلة، إذن، ليست سباقًا نحو الحقائب، بل اختبارًا لقدرتنا على الانتقال من منطق تدبير الغنائم إلى منطق بناء الدولة. مغرب ما بعد 2030 لن يُبنى بأحزاب متعبة، ولا بنخب مستهلكة، ولا بتحالفات ظرفية تُنسج في الكواليس. إنه يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين السياسة والمجتمع، على قاعدة الكفاءة، والمحاسبة، والوضوح في الاختيارات.
فهل نملك الجرأة على تحويل هذا الاستحقاق إلى لحظة فاصلة في تاريخنا السياسي؟ أم سنكتفي بإعادة تدوير نفس الأسماء، ونفس الخطابات، ونفس الأعطاب؟ الجواب لن تصنعه الأحزاب وحدها، بل أيضًا وعي الناخب، وقدرة الدولة على حماية المسار من كل انحراف. وبين هذا وذاك، يتحدد شكل المغرب الذي نريده: مغرب الفرص الضائعة، أم مغرب التحول الحقيقي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.