المحتجزون في تندوف: بين سؤال الهوية وحسابات الأرقام

0

الكارح أبو سالم 

حين يُفتح ملف مشروع قانون أو تُحرَّك آلية دستورية داخل الحكومة، يبدو الأمر في ظاهره شأناً مؤسساتياً صرفاً. لكن في عمقه، غالباً ما تتقاطع خيوط السياسة الداخلية مع ملفات سيادية أكبر. ومن بين هذه الملفات التي لا تغيب عن أي قراءة استراتيجية: قضية المحتجزين في مخيمات تندوف، بما تحمله من تعقيدات الهوية والانتماء والأرقام.
إن جوهر الإشكال لا يقف عند حدود “العودة” بقدر ما يتصل بالسؤال الأعمق: من هو الصحراوي الذي يُفترض أن يشمله أي حل سياسي، وفي مقدمته مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب باعتباره إطاراً للسيادة والوحدة الترابية؟

الرواية التي تروج لها جبهة البوليساريو تتحدث عن أكثر من 120 ألف شخص في مخيمات تندوف. غير أن هذا الرقم ظل، لسنوات، محل تساؤل في تقارير دولية بشأن دقته وآليات إحصائه، في غياب إحصاء رسمي شفاف تحت إشراف مفوضية مستقلة. هنا تحديداً يبدأ الخلاف: هل نحن أمام كتلة سكانية متجانسة ذات امتداد صحراوي صرف، أم أمام خليط ديموغرافي تشكل عبر عقود من النزاع والهجرة والارتباطات الإقليمية؟
في المقابل، تعتمد المقاربة المغربية على قراءة ميدانية وتاريخية للامتدادات القبلية والعائلية المعروفة في الصحراء، حيث البُنى الاجتماعية قائمة على الأنساب والفخذات والعلاقات الموثقة عبر أجيال. ووفق هذا المنظور، فإن عدد المعنيين بالعودة في إطار الحكم الذاتي لا يتجاوز نحو 20 ألف شخص ممن غادروا خلال سبعينيات القرن الماضي، باعتبارهم مواطنين مغاربة ذوي امتداد عائلي واضح داخل الأقاليم الجنوبية.

الإشكال هنا ليس رقمياً فحسب، بل سيادي وأمني أيضاً. فقبول عودة جماعية غير مدققة قد يطرح تحديات تتصل بالاندماج، والتمثيلية، وإعادة تشكيل التوازنات المحلية. ومن ثمّ، ترى الرباط أن أي عملية عودة ينبغي أن تستند إلى معايير واضحة، أساسها الانتماء العائلي والاجتماعي المثبت، وليس مجرد الإقامة الطويلة في المخيمات.
ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية: البعد الإنساني. فسنوات العيش في المخيمات صنعت واقعاً خاصاً، حيث تداخل السياسي بالعسكري، وتحولت فئات من القاطنين إلى جزء من بنية تنظيمية مغلقة. في هذا السياق، يطرح بعض المراقبين سؤالاً حساساً: هل يُراد من تضخيم الأرقام تعزيز ورقة تفاوضية، أم خلق كتلة ديموغرافية تابعة سياسياً يمكن توجيهها في أي مسار مستقبلي؟
من زاوية مغربية، يُنظر إلى الحكم الذاتي باعتباره مشروعاً مؤسساً على السيادة، والتنمية، وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لسكان المنطقة. ولذلك، فإن تدقيق هوية العائدين ليس إجراءً إقصائياً، بل شرطاً لضمان انسجام النسيج الاجتماعي ومنع أي توظيف سياسي لاحق لملف العودة.
في العمق، تكشف قضية تندوف عن صراع بين تصورين: تصور يعتبر أن الحل يمر عبر إعادة دمج مواطنين ذوي امتداد تاريخي واجتماعي داخل وطنهم، وتصور آخر يراهن على كتلة عددية واسعة، بصرف النظر عن تعقيدات الهوية والانتماء. وبين هذين المنظورين، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى إمكانية التوفيق بين البعد الإنساني والاعتبارات السيادية.
إن ملف تندوف ليس مجرد نقاش حول أرقام متباينة، بل اختبار حقيقي لجدية أي مسار سياسي قادم. فإما أن تكون العودة جسراً لإعادة وصل ما انقطع ضمن إطار سيادي واضح، أو تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل نزاع بأدوات ديموغرافية جديدة.
وفي النهاية، تبقى الهوية – بما تحمله من امتداد عائلي وثقافي واجتماعي – عنصراً لا يمكن القفز عليه. لأن أي حل لا يستند إلى حقيقة الانتماء، سرعان ما يتحول إلى أزمة مؤجلة، مهما بدا في ظاهره حلا شاملا،
لقد تعامل المغرب مع هذا الملف بمنطق عقلاني يستند إلى معطيات ميدانية دقيقة، وقراءة عائلية واجتماعية متجذّرة في بنية المجتمع الصحراوي، حيث الأنساب والامتدادات القبلية معروفة ومحصورة تاريخياً. فمسألة الانتماء ليست ادعاءً سياسياً عابراً، بل واقعاً موثقاً في الذاكرة الجماعية والعلاقات العائلية الممتدة داخل الأقاليم الجنوبية. لذلك فإن أي محاولة للقفز على هذه المحددات، أو خلط الأوراق عبر توسيع الكتلة العددية دون سند اجتماعي واضح، ستصطدم بحقائق الأرض قبل أي اعتبار آخر. فالهندسة الديموغرافية لا يمكن أن تعوّض شرعية الامتداد العائلي، ولا أن تغيّر معادلة الانتماء الراسخة. ومن ثمّ، فإن ضبط هذا الملف بمنهج مؤسساتي واعٍ يجعل من الصعب على أي جهة أن تفرض واقعاً مصطنعاً خارج هذه المحددات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.