البذلة السوداء : حين يتدخل الدستور وتتحرك السياسة في الظل
الكارح ابو سالم
لم يكن تجميد المسار التشريعي لمشروع قانون مهنة المحاماة مجرد قرار إداري لتبريد احتقان مهني. ولم يكن، في المقابل، مجرد انتصار سياسي لطرف داخل الأغلبية على حساب طرف آخر، حتى وإن مال جزء من الرأي العام إلى هذا التفسير ونحن على مقربة من الانتخابات
التشريعية.، ما وقع أعمق من ذلك.
دستورياً، لا جدال في أن رئيس الحكومة مارس اختصاصاته. فقد فعّل آلية الوساطة داخل الفريق الحكومي، انسجاماً مع مبدأي المسؤولية السياسية والتضامن الحكومي، وتدخّل لاحتواء أزمة كانت تهدد السير العادي لمرفق العدالة. كما يمكن قراءة خطوته في إطار سلطة الحلول، حين يصبح لزاماً عليه رفع الحرج عن أحد أعضاء الفريق الحكومي أو إعادة ضبط الإيقاع داخل الجهاز التنفيذي.
من هذه الزاوية، القرار سليم ومؤسس على الشرعية الدستورية.
لكن السياسة لا تكتفي بشرعية النص، بل تسأل دائماً عن توقيت الفعل وسياقه.

مصادر مطلعة تحدثت عن ارتدادات داخل الحكومة، حيث عبّر وزير العدل عن استيائه من طريقة تدبير الملف، معتبراً – وفق مصدر مقرب منه – أنه لم يُستشر ولم يُخبَر بقرار عدم إحالة المشروع على البرلمان، رغم أن النص يدخل ضمن اختصاصات قطاعه. بل إن المعطيات نفسها أشارت إلى تلويحه بطلب الإعفاء، رفضاً لتجميد مسار تشريعي أُعد في صيغته النهائية.
هنا تبدأ القراءة السياسية.
حين يُجمَّد مشروع في لحظة متقدمة، ويُنقل مركز القرار إلى مستوى رئاسة الحكومة، فالأمر لا يتعلق فقط بوساطة مؤسساتية. إنه إعادة تموضع في ميزان القوة داخل الأغلبية.
هل كان التدخل ضرورة لاحتواء أزمة مهنية تصاعدت حدتها وأثّرت على صورة العدالة؟
أم كان أيضاً رسالة سياسية داخلية مفادها أن القرار النهائي يُصنع في مكان واحد؟

ثم إن الظرفية الانتخابية لا يمكن عزلها عن المشهد. مع اقتراب الاستحقاقات، تتحول كل أزمة إلى اختبار للقيادة، وكل احتقان إلى فرصة لإعادة رسم الصورة العمومية. فهل سعى رئيس الحكومة إلى الظهور بمظهر رجل الدولة القادر على احتواء الأزمات بالحوار؟
وهل وجد حزب يقود وزارة العدل نفسه في موقع دفاعي جديد بعد سلسلة من التوترات التي أثقلت كاهله؟
القراءة لا تكتمل دون استحضار عنصر بالغ الحساسية:
منظومة المحاماة ليست قطاعاً عادياً. إنها مرآة العدالة. وعندما تحتقن هذه المنظومة، فإن الأمر يتجاوز خلافاً حول مواد قانونية ليصل إلى سؤال أعمق حول توازن السلطة داخل منظومة العدالة نفسها.
لذلك كان التدخل يحمل بعداً مزدوجاً:
حماية صورة العدالة من اهتزاز أطول،
وإعادة ترتيب الإيقاع السياسي داخل الأغلبية.
جمعية هيئات المحامين، من جهتها، تفاعلت إيجاباً مع المبادرة. أعلنت استئناف العمل ابتداء من 16 فبراير 2026، بعد اجتماع 11 فبراير، مثمّنة قرار إحداث لجنة مشتركة تحت إشراف رئاسة الحكومة، وواصفة الخطوة بأنها تعبير عن “روح مؤسساتية مسؤولة”. أول اجتماع للجنة انعقد يوم 13 فبراير، في مسار يُفترض أن يعيد النقاش إلى طاولة تشاركية.
مهنياً، هدأ التصعيد.لكن سياسياً، بقيت الأسئلة.
هل كان الأمر مجرد تصحيح تقني لمسار متعثر؟
أم بداية إعادة رسم للحدود داخل تحالف حكومي يستعد لمعركة انتخابية مبكرة؟
وهل يمكن فعلاً فصل تفعيل الصلاحية الدستورية عن الحسابات السياسية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقطاع يمس جوهر العدالة؟
الحقيقة أن الدستوري والسياسي تداخلا في هذه الواقعة بشكل معقد.
رئيس الحكومة تحرك في إطار اختصاصه، نعم ، لكن كل ممارسة للاختصاص، في لحظة مشحونة انتخابياً، تتحول إلى رسالة.
في السياسة، الرسائل أهم من القرارات أحياناً.
ما جرى لم يكن فقط خلافاً حول مشروع قانون، بل اختباراً لقدرة الحكومة على إدارة توازن دقيق:
بين النص وروحه،
بين الصلاحية وسياقها،
بين التضامن الحكومي والصراع الانتخابي الصامت.
ويبقى السؤال الأعمق:
هل كان تجميد المشروع خطوة لحماية العدالة من الاحتقان؟
أم محطة أولى في إعادة ترتيب المشهد السياسي لما بعد الانتخابات؟
الجواب لن يتضح في اجتماعات اللجنة المشتركة وحدها،
بل في شكل الاصطفافات التي ستتبلور عندما يقترب موعد الحسم السياسي الكبير.

