تأجيل مشروع المحاماة: تنازل حكومي أم انتصار مهني؟

0

الگارح ابو سالم

لم يكن انتقال ملف مشروع قانون المحاماة إلى مكتب رئيس الحكومة مجرد تفصيل بروتوكولي، بل إعلاناً صريحاً بأن الأزمة بلغت مستوى سياسياً لا يمكن احتواؤه بالأدوات القطاعية التقليدية. فعندما يغادر النص رفوف وزارة العدل ليُناقش في رئاسة الحكومة، فذلك يعني أن الخلاف لم يعد تقنياً حول مواد وفصول، بل أصبح سؤالاً حول طبيعة العلاقة بين الدولة وأحد أعمدة العدالة.
منذ مصادقة مجلس الحكومة في 8 يناير 2026 على مشروع قانون تنظيم المهنة، دخلت العلاقة بين الحكومة وجمعية هيئات المحامين مرحلة توتر غير مسبوقة. الحكومة قدمت المشروع باعتباره جزءاً من رؤية إصلاحية شاملة لتحديث المنظومة القضائية وضمان حقوق المتقاضين. غير أن قطاعاً واسعاً من المحامين رأى في بعض مقتضياته مساساً بتوازنات المهنة واستقلاليتها، واعتبر أن النص صيغ بمنطق الضبط أكثر من منطق الشراكة.
النتيجة لم تتأخر: إضرابات، احتقان، وشلل طال عدداً من محاكم المملكة. وهنا برزت الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها: العدالة لا تُدار من طرف واحد. فالمحامي ليس فاعلاً ثانوياً في قاعة الجلسات، بل شريك أصيل في صناعة المحاكمة العادلة. واستقلاليته ليست امتيازاً مهنياً، بل ضمانة دستورية للمتقاضي قبل أن تكون حصانة لأصحاب البذلة السوداء.
قرار رئيس الحكومة – وكما جاء في بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب الصادر في ساعات متأخرة  بعد  اجتماع مطول تشكيل لجنة ستنطلق أشغالها غدا الجمعة 13 فبراير ، على مستوى رئاسة الحكومة وتحت إشرافه ، وتأجيل إحالة المشروع إلى البرلمان إلى حين تحقيق توافق مع جمعية الهيئات لم يكن مجرد تدبير زمني، بل اعتراف سياسي بأن منطق الأغلبية العددية لا يكفي لإنتاج قانون متوازن في ملف يمس جوهر العدالة. صحيح أن الحكومة تملك، وفق النظام الداخلي للبرلمان، صلاحية سحب أو تأجيل مشاريع القوانين في أي مرحلة، لكن استعمال هذا الحق في هذا التوقيت يحمل دلالة واضحة: لا إصلاح دون توافق.

لقاء 11 فبراير بين رئيس الحكومة والنقيب الحسين الزياني أعاد فتح باب الحوار، وأوقف مساراً كان يتجه نحو مزيد من التصعيد. غير أن السؤال الجوهري يظل معلقاً: هل نحن أمام لحظة تأسيسية تعيد تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية والمهنة على قاعدة الشراكة والاحترام المتبادل؟ أم أمام هدنة سياسية لامتصاص الاحتقان وتفادي إحراج تشريعي مع اقتراب الدورة الربيعية؟

الجواب لن تصنعه البلاغات الإيجابية، بل الصيغة النهائية للنص. فإذا أفضى الحوار إلى مراجعة حقيقية للمواد المثيرة للجدل، وسحب كل مقتضى يمس جوهر استقلال الدفاع، فنكون أمام صلح مؤسس لمرحلة جديدة. أما إذا تحول التأجيل إلى مجرد إدارة للوقت دون مساس عميق بفلسفة المشروع، فإن الأزمة ستعود بأشكال أكثر تعقيداً.

إن التجربة أظهرت أن إصلاح العدالة لا ينجح بمنطق الغلبة، ولا يستقر بمنطق التنازل الأحادي. الإصلاح الحقيقي يُبنى على تعاقد مؤسساتي واضح:
دولة تنظّم ولا تهيمن،
مهنة تواكب ولا تنغلق،
ونص قانوني يُجسّد سمو الدستور قبل أي اعتبارات ظرفية.

لا غالب اليوم ولا مغلوب.
فالانتصار الحقيقي لن يُسجَّل باسم حكومة أو هيئة، بل باسم العدالة نفسها، حين يولد قانون:
يحصّن حقوق الدفاع،
يصون استقلالية المهنة،
يعزز ثقة المواطن في القضاء،
ويؤسس لتوازن دقيق بين سلطة التنظيم وضمانات الحرية المهنية.
بين الصلح التاريخي والهدنة المؤقتة تقف لحظة سياسية دقيقة.
وما سيحسم مآلها ليس الخطاب، بل الشجاعة في تحويل التوافق من شعار إلى نص، ومن وعد إلى التزام.

وتجدر  الإشارة إلى أن بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب أشار في الخاتمة بأن يوم الإثنين القادم 16 فبراير ستنطلق الخدمات المهنية للمحامين وانتهاء مدة التوقف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.