رأي لا يهمكم: السدود والمطر: حين تتحوّل الفيضانات إلى امتحان للحكامة

0

الگارح ابو سالم

لم تعد الأسئلة المطروحة اليوم حول الفيضانات مجرد أسئلة طارئة يفرضها الواقع ، بل أسئلة مؤجلة فرضها الإهمال. فحين نرى السدود تُفتح فجأة لتصريف فائض المياه، وحين تغرق مدن وقرى في ساعات قليلة، لا يكفي أن نرفع أيدينا إلى الأعلى ونقول: هذا قدر الله. القدر لا يوقّع الصفقات، ولا يُعدّ الدراسات، ولا يقرّر متى تُنقّى الأحواض من الأوحال ومتى تُترك تختنق بصمت.

وضعية السدود اليوم تطرح أكثر من علامة استفهام. هل ما زالت تشتغل بنفس منطق التصريف القديم الذي وُضع في زمن مناخ مختلف؟ هل خضعت فعلاً لعمليات تنقية دورية من الأوحال التي ترفع منسوب المياه وتقلّص قدرتها الاستيعابية؟ أم أننا نكتشف مع كل موسم أمطار أن جزءًا من المشكلة كان نائمًا في قاع السد، ينتظر لحظة الانفجار؟
ثم السؤال الأعمق: هل بُنيت هذه السدود فعلًا في الأماكن الأكثر ملاءمة وفق معايير دقيقة وحديثة؟ أم أن بعض الاختيارات خضعت لمنطق الاستعجال، أو الحسابات الترابية، أو حتى التوازنات السياسية، أكثر مما خضعت لمنطق الجغرافيا والمخاطر المناخية المستقبلية؟

المفارقة المؤلمة أن كل هذا يحدث في بلد لم يكن يومًا غائبًا عن النقاش العالمي حول التغيرات المناخية. نحن نشارك سنويًا في مؤتمرات المناخ، ونوقّع على التوصيات، بل ونظّمنا مؤتمرًا عالميًا من حجم كوب 22. استمعنا لخبراء مغاربة وأجانب، واطّلعنا على تقارير تحذّر بوضوح من سيناريوهات الفيضانات، والجفاف المتطرف، والتقلبات العنيفة في التساقطات. السؤال البسيط والمؤلم: ماذا فعلنا بكل ذلك؟
هل حوّلنا هذه المعارف إلى سياسات عمومية؟ هل أعدنا دراسة بنيتنا المائية على ضوء هذه التحولات؟ هل استثمرنا في الدراسات الاستباقية، أم اكتفينا بصور المؤتمرات، وخطابات “الالتزام”، ثم عدنا إلى تدبير يومي قصير النفس، ينتظر الكارثة ليتحرك بعدها؟
إن الاشتغال على ملفات بهذا الحجم لا يقبل منطق الانتظار. لا يقبل أن نُربّع الأيدي ونترقب “ما ستجود به السماء”. العالم تغيّر، والمناخ تغيّر، والدول التي فهمت الدرس انتقلت من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة. أما نحن، فلا يمكن أن نستمر في تبرئة السياسات التقنية والهندسية باسم الغيب.

ما يقع اليوم ليس امتحانًا للإيمان، بل امتحان للحكامة. ليس لحظة خشوع، بل لحظة محاسبة. لأن الكوارث الطبيعية حين تتكرر بنفس الشكل، في نفس النقاط، وبنفس السيناريوهات، تتحول من قدرٍ مفاجئ إلى فشلٍ مُركّب، كان بالإمكان تفادي جزء كبير منه لو أُخذت التحذيرات على محمل الجد.
السماء تمطر، نعم. لكن الأرض تُدار بقرارات بشرية. وبين المطر والفيضان، هناك سدود، ودراسات، وخطط، ومسؤوليات… لا يجوز دفنها جميعًا تحت عبارة مريحة اسمها: “قسمة ونصيب”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.