الگارح ابو سالم
لمن تُصاغ القوانين حين يُقصى أهلها؟
ما يجري اليوم داخل مهنة المحاماة ليس خلافًا تقنيًا حول مواد قانونية، ولا سوء تفاهم عابرًا يمكن تجاوزه ببلاغ أو لقاء شكلي. نحن أمام لحظة اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة لاستقلال مهنة دستورية، ولمعنى الشراكة في الإصلاح، ولحدود تدخل السلطة التنفيذية في الهيئات المنتخبة.
حين تفكر قيادة مهنية منتخبة، تمثل آلاف المحامين، في الاستقالة الجماعية، فذلك لا يُقرأ بوصفه تصعيدًا عبثيًا، بل كإنذار أخير. الإنذار هنا موجّه للدولة قبل الحكومة: هناك خط أحمر يُداس عليه، وهناك مهنة يُراد لها أن تُفرَّغ من روحها ووظيفتها التاريخية.
مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، كما يُدبَّر اليوم، يُمرَّر بمنطق الإملاء لا التشاور، وبخطاب أحادي يعتبر أن “الإصلاح” لا يحتاج إلى توافق، وأن الاعتراض المهني الواسع مجرد عرقلة. وهذا في حد ذاته مؤشر مقلق على فهم مختلّ لدور المؤسسات الوسيطة في دولة يُفترض أنها دستورية.

السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: كيف يمكن القفز على رأي نقباء منتخبين، ومحامين راكموا تجربة ميدانية وقضائية وأكاديمية طويلة، والادّعاء بأن رؤية واحدة داخل الحكومة هي وحدها التي تجسّد المصلحة العامة؟ متى تحوّل الإجماع المهني إلى تهمة، وأصبحت السلطة التنفيذية هي الحكم والخصم معًا؟
الاستقالة، إن حدثت، لن تكون انسحابًا من المسؤولية، بل أقصى درجات تحمّلها. فالنقيب، في تقاليد المحاماة، ليس مسيّرًا إداريًا، بل حاملًا لرسالة، وضامنًا لاستقلال المهنة. والتاريخ القريب والبعيد يشهد أن المحاماة المغربية واجهت أسوأ مراحل التضييق السياسي، ولم تتخلَّ عن الدفاع عن الحريات، وعن ضحايا الانتهاكات الجسيمة، وعن استقلال القضاء.
والأهم أن المحاماة لم تكن يومًا مهنة محايدة أو صامتة. فمنذ ما قبل الاستقلال، شكّلت إحدى أدوات المقاومة القانونية، وساهمت في حماية الوطنيين، وكانت قاعات المحاكم فضاءات لمواجهة التشريعات الجائرة حين أُغلقت باقي المنابر. من تلك الذاكرة تشكّل وعي المهنة، ومنها استمدت مشروعيتها الرمزية والأخلاقية.
المفارقة الصادمة أن الدولة، في زمن الحماية، لم تذهب إلى حد إخضاع المحاماة لوصاية مباشرة، رغم طبيعة النظام الاستعماري. أما اليوم، وفي سياق دستوري يُفترض أنه أكثر تقدمًا، فإن مشروع قانون يُنظر إليه داخل الجسم المهني كأداة لتقليص الاستقلال، وتحويل الهيئات المنتخبة إلى هياكل فاقدة للقدرة على المبادرة والاعتراض.
إن تسفيه مطالب المحامين، وتحريف غايات حركتهم الاحتجاجية، لا يخدم صورة الدولة ولا استقرار منظومة العدالة. بل يعمّق القطيعة، ويغذّي قناعة خطيرة مفادها أن المطلوب ليس إصلاح المهنة، بل تدجينها. وهذا مسار لا يضر بالمحامين وحدهم، بل يمسّ أحد أعمدة دولة القانون.
المحاماة ليست جدول رسوم ولا إجراءً إداريًا،
بل استقلال وكرامة،
وضمانة لحق الدفاع،
ومؤسسة دستورية لا تقبل الوصاية.
هذه لحظة فرز تاريخية. والتاريخ، الذي أنصف المحاماة حين كانت صوت الوطن، سيحفظ اليوم من دافع عن استقلالها… ولن يرحم من اختار المساس به، ولن تتقادم جريمته عبر الزمن .
