البكاء السياسي في المشهد المغربي بين السلطة وصدمة الانسحاب.. قراءة سيكولوجية في بكاء أخنوش
بقلم :محمد الغياط
في المؤتمر الاستثنائي لحزب الاحرار يوم 7فبراير 2026.
لم يعد الفعل السياسي يقتصر على الخطاب العقلاني والقرارات المؤسساتية، بل أصبح المجال السياسي فضاءً للتعبير الانفعالي أيضًا، حيث يظهر القادة في لحظات ضعف إنساني مكشوف، من خلال البكاء أو الارتباك العاطفي أمام الجمهور. ويُعدّ مشهد البكاء الذي ظهر على السيد عزيز أخنوش خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار نموذجًا دالًا على هذا التحول في الصورة التقليدية للسياسي.
يطرح هذا السلوك أسئلة متعددة:
لماذا يبكي السياسي في لحظة عامة؟
ما دلالات هذا البكاء نفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا؟
وهل يُعد علامة ضعف أم تعبيرًا عن إنسانية القيادة؟
وكيف يمكن التعامل مع هذه الظاهرة دون الإضرار بالمصداقية السياسية؟
منهجية المقال
أولًا: البكاء في علم النفس :
المفهوم والدلالات
1. البكاء كاستجابة انفعالية
يُعرّف البكاء في علم النفس بأنه استجابة وجدانية تلقائية لحالات:
الفقد
الإحباط
التوتر الشديد
الشعور بالعجز أو الانكسار
وفق مدرسة علم النفس الفسيولوجي، فإن البكاء يمثل آلية تنظيم عصبي تساعد على تخفيف الضغط الداخلي وإعادة التوازن الانفعالي.
2. البكاء في التحليل النفسي (فرويد)
يرى فرويد أن البكاء يُعد تفريغًا لاشعوريًا لصراعات داخلية مكبوتة، ويظهر حين تفشل آليات الدفاع النفسي (مثل الكبت أو الإنكار) في احتواء التوتر.
في السياق السياسي، قد يكون البكاء تعبيرًا عن:
صراع بين صورة الذات المثالية والواقع السياسي.
إحساس لاشعوري بالفقد أو الهزيمة الرمزية.
3. البكاء في علم النفس الإنساني (كارل روجرز)
يرى روجرز أن التعبير العاطفي الصادق، بما فيه البكاء، هو علامة على:
التوافق مع الذات.
الصدق الوجداني.
التحرر من الأقنعة الاجتماعية.
وبالتالي، يمكن تفسير بكاء السياسي على أنه لحظة تطابق بين الذات الحقيقية والذات الاجتماعية.
4. البكاء في النظرية المعرفية الاجتماعية (باندورا)
وفق هذه المدرسة، فإن السلوك العاطفي يُكتسب اجتماعيًا، ويتأثر بالتوقعات الجماعية. البكاء قد يكون:
استجابة للضغط الاجتماعي.
سلوكًا تواصليًا يهدف إلى كسب التعاطف أو إعادة بناء الصورة أمام الجمهور.
ثانيًا: البكاء في المجال السياسي – الدلالات الرمزية
في الثقافة السياسية التقليدية، يُنتظر من القائد أن يظهر:
الصلابة
التحكم
الاتزان الانفعالي
لكن في المجتمعات المعاصرة، بدأ يظهر نموذج جديد للقائد:
القائد الإنساني
القائد القابل للخطأ
القائد المتفاعل وجدانيًا
البكاء هنا يتحول من علامة ضعف إلى علامة صدق إنساني أو وسيلة رمزية لإعادة بناء العلاقة مع الجمهور.
ثالثًا: تحليل حالة عزيز أخنوش
1. السياق النفسي
ظهور البكاء لدى السيد أخنوش في لحظة إعلان عن انتخاب خلفه في رئاسة الحزب يمكن تفسيره نفسيًا على أنه:
– تفريغ لانفعال مكبوت ناتج عن ضغط سياسي ممتد.
– تعبير عن فقدان دور قيادي شكّل جزءًا من الهوية الذاتية.
– مواجهة فجائية مع نهاية مرحلة مركزية في الحياة المهنية….
وفق التحليل النفسي، فإن هذه اللحظة تمثل صدمة انتقالية (Transition Shock) بين وضعيتين وجوديتين: السلطة والانسحاب.
2. السياق السياسي
سياسيًا، جاء البكاء في لحظة:
مفصلية داخل الحزب.
محاطة بتوترات تنظيمية وتوقعات جماهيرية.
محمّلة بدلالات رمزية تتجاوز الشخص إلى المؤسسة.
وهنا يمكن فهم البكاء كـ:
خطاب غير لفظي يعبّر عن نهاية مرحلة سياسية.
محاولة لاشعورية لإعادة ربط العاطفة بالجماعة الحزبية.
3. السياق الاجتماعي والثقافي
في الثقافة المغربية والعربية عمومًا:
يُنظر إلى البكاء أحيانًا كعلامة ضعف رجولي.
وفي الوقت نفسه، يُنظر إليه كدليل صدق وجداني في لحظات الفقد والوداع.
وهذا التناقض يجعل استقبال المشهد متباينًا:
بين من يراه ضعفًا سياسيًا.
ومن يراه إنسانية راقية.
رابعًا: لماذا يبكي السياسي؟
(الأسباب والدوافع)
يمكن تلخيص الأسباب في ثلاثة مستويات:
1. أسباب نفسية:
الإرهاق الانفعالي.
الضغط المزمن.
الصراع بين الطموح والواقع.
فقدان المعنى أو الدور.
2. أسباب سياسية:
الإحساس بالفشل أو الهزيمة الرمزية.
الخوف من فقدان الشرعية أو المكانة.
الرغبة في الحفاظ على صورة أخلاقية إيجابية.
3. أسباب اجتماعية:
توقعات الجماعة.
ثقافة التعاطف.
البحث عن القبول الاجتماعي بعد قرار صعب.
خامسًا: كيف يمكن معالجة الظاهرة؟
1. على المستوى النفسي:
دعم الصحة النفسية للقيادات السياسية.
تعزيز الذكاء العاطفي وإدارة الانفعالات.
توفير فضاءات آمنة للتفريغ النفسي بعيدًا عن الإعلام.
2. على المستوى السياسي:
إعادة بناء صورة القيادة على أساس التوازن بين الإنسانية والحزم.
تأطير المشهد إعلاميًا بدل تركه للتأويلات الشعبوية.
تطوير خطاب سياسي يدمج العاطفة دون الانزلاق إلى الدرامية.
3. على المستوى الاجتماعي:
نشر ثقافة نفسية تُطبع التعبير الانفعالي بدل وصمه.
تعليم الجمهور الفرق بين الانفعال الصحي والانهيار النفسي.
خاتمة
إن البكاء السياسي ليس مجرد حادث عاطفي عابر، بل هو ظاهرة مركبة تعكس:
صراعات نفسية داخلية،
تحولات في صورة القيادة،
وتغيرًا في العلاقة بين السياسي والمجتمع.
وفي حالة السيد عزيز أخنوش، يمكن قراءة البكاء باعتباره لحظة إنسانية مكثفة تعبّر عن ثقل المسؤولية ونهاية مرحلة سياسية، لا بوصفه ضعفًا ذاتيًا، بل بوصفه تعبيرًا وجدانيًا طبيعيًا في سياق ضاغط ومعقّد.
يبقى التحدي الأكبر هو: كيف نؤنسن السياسة دون أن نُفرغها من صلابتها؟
☆بقلم محمد الغياط باحث في الاعلام والصناعة الثقافية سلك الماستر كلية العلوم الانسانية والاجتماعية جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب في 10\2\2026
