لماذا يحتج المحامون؟ دفاعٌ عن حرية المرافعة لا عن الامتياز
الكارح ابو سالم
إن لجوء المحامين إلى الاحتجاج لا يخرج عن الإطار الدستوري المشروع، بل يندرج صلب الحقوق المكفولة بموجب الفصلين 25 و29 من الدستور، اللذين يضمنان حرية التعبير والاحتجاج السلمي. كما أن تاريخ المحاماة، داخل المغرب وخارجه، يشهد بأن هذه المهنة لم تكن يوماً مهنة صامتة، بل كانت دائماً في صلب الدفاع عن الحقوق والحريات، وتقدمت الصفوف كلما تعرضت مبادئ العدالة للتآكل أو التهديد.
غير أن اختزال هذا الاحتجاج في مطالب مادية أو فئوية يُجانب الحقيقة. فجوهر ما يطالب به المحامون اليوم لا يتعلق بالامتيازات، بقدر ما يرتبط برد الاعتبار للدور الجوهري للمحامي داخل منظومة العدالة، وبحماية القيمة المضافة التي يقدمها للدفاع، وعلى رأسها حرية المرافعة، والاستقلال في البحث، والتحرر من كل أشكال الضغط أو المضايقة.
إن خصوصية مهنة المحاماة تجعل أي نقاش حول احتجاجها نقاشاً معقّداً، لأنها مهنة ترتبط مباشرة بحقوق المتقاضين وحسن سير مرفق العدالة. صحيح أن مقاطعة الجلسات، في سياق الاحتجاج على مشاريع قوانين تمس جوهر المهنة، تترتب عنها آثار واقعية، من بينها تأجيل القضايا، خاصة تلك المتعلقة بالأشخاص في وضعية اعتقال احتياطي، وهو ما يطرح إشكال الحق في المحاكمة داخل أجل معقول، المكرس دستورياً، والمؤكد عليه في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لكن التوقف عند هذا الأثر دون الغوص في سببه العميق يُفضي إلى قراءة مبتورة. فالمحامي حين يحتج، لا يفعل ذلك ضد المتقاضي، بل من أجله. لأن تكميم فم المحامي، أو وضعه تحت ضغط دائم، أو تقييد حريته في البحث والترافع، لا يُضعف المحامي فقط، بل يُفرغ حق الدفاع من محتواه، ويحوّل المتقاضي إلى طرف أعزل في مواجهة سلطات تقديرية واسعة، لا يوازنها صوت قوي ومستقل.
إن حرية المرافعة ليست امتيازاً مهنياً، بل ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة. والمحامي الذي يخشى العواقب، أو يُجبر على انتقاء كلماته، أو يُضيَّق عليه في أدوات الدفاع، لا يستطيع أن يؤدي دوره كاملاً. وعندما يختل هذا التوازن، تصبح الحماية القانونية شكلية، قائمة على النصوص وحدها، لا على العقل القانوني الذي يُفعّلها ويمنحها روحها.

من هذا المنطلق، يمكن فهم احتجاج المحامين بوصفه ناقوس خطر، لا إعلان خصومة. إنه تحذير من أن المساس باستقلال الدفاع هو مساس مباشر بحقوق المتقاضين، وبالثقة في العدالة، وبفكرة أن القانون يُطبَّق بعقلانية وتجرد، لا بمنطق السلطة التقديرية غير المضبوطة.
إن المحاماة، في جوهرها، ليست مهنة تبحث عن الربح السريع، بل رسالة توازن داخل المجتمع، وصوت يُذكّر بأن العدالة لا تُختزل في الأحكام، بل تبدأ من شروط المحاكمة نفسها. ولذلك، فإن دفاع المحامين عن حريتهم واستقلالهم هو في حقيقته دفاع عن المواطن، حتى لا يجد نفسه وحيداً أمام مساطر معقدة، أو قرارات لا يملك إزاءها سوى الصمت.
ختاماً، فإن ما يعيشه قطاع المحاماة اليوم يستدعي قراءة هادئة ومسؤولة، تُميّز بين الأثر الظرفي للاحتجاج، والرهان البنيوي الذي يحمله. فحماية المحامي هي حماية للمتقاضي، وصون حرية الدفاع هو صون لجوهر العدالة، حتى تبقى الحماية القانونية قائمة على القانون والعقل معاً، لا على الشكل وحده.

