تعيش الساحة الدبلوماسية على وقع تحرك غير مسبوق تقوده واشنطن، بعدما تحولت العاصمة الإسبانية مدريد إلى منصة اجتماع رباعي حساس يجمع أطرافًا مركزية في ملف الصحراء. ورغم الطابع غير المعلن رسميًا لهذه المشاورات، فإن دلالاتها السياسية تتجاوز إطار اللقاء نفسه، لتشير إلى مرحلة جديدة عنوانها انتقال ثقل المبادرة من المسار الأممي التقليدي إلى قيادة أمريكية مباشرة.
التحرك الأمريكي لا يبدو مجرد وساطة عابرة، بل يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة صياغة قواعد النقاش حول النزاع، انطلاقًا من مقاربة تعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أرضية عملية للتسوية. هذا التوجه ينسجم مع قراءة واشنطن لموازين القوى الحالية، حيث لم يعد الملف يُدار فقط بمنطق إدارة الأزمة، بل بمنطق البحث عن مخرج نهائي قابل للتنفيذ.
في هذا السياق، تدخل الرباط المشاورات برؤية موسعة تسعى إلى تحويل مبادرة الحكم الذاتي من إطار سياسي عام إلى تصور مؤسساتي مفصل. الوثيقة الجديدة التي أعدتها الدبلوماسية المغربية تقدم قراءة دقيقة لتوزيع الصلاحيات وآليات التدبير، في محاولة لتقليص هوامش التأويل وإقناع الفاعلين الدوليين بأن الحل المقترح قابل للتطبيق العملي وليس مجرد طرح نظري.
اللافت أن هذا الحراك يأتي في وقت يتراجع فيه الدور الأممي إلى موقع المراقب أكثر منه صانع المبادرة، وهو ما يعكس تحولا في موازين إدارة الملف. فواشنطن، عبر مبعوثيها، تبدو عازمة على تسريع وتيرة النقاش وفرض جدول زمني غير معلن، يستهدف الوصول إلى نقطة تحول قد تعيد رسم مستقبل بعثة “المينورسو” ودورها على الأرض.
من جانب آخر، تجد مدريد نفسها في موقع حساس بين استضافة التحرك والحفاظ على توازناتها الإقليمية. لذلك اختارت لعب دور موازٍ عبر قنوات دبلوماسية جانبية، في محاولة لاحتواء تداعيات خطوة أمريكية تحمل في طياتها إعادة ترتيب للأوراق في شمال إفريقيا.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد اجتماع دبلوماسي، بل مؤشر على انتقال الملف إلى مرحلة اختبار حقيقية، إما تثبيت مقاربة واقعية مدعومة بتحالفات دولية، أو استمرار حالة الجمود.
وبين هذين الخيارين، يبدو أن ميزان المبادرة يميل أكثر من أي وقت مضى نحو إعادة تعريف مسار النزاع وفق معادلات جديدة تقودها واشنطن، وتستثمر فيها الرباط زخمها السياسي والدبلوماسي.

