من الإشاعة إلى البلاغ : أزمة التواصل داخل الجامعة الملكية لكرة القدم

0

الگارح ابو سالم

نفت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، نفياً قاطعاً، ما راج في بعض المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بخصوص تقديم مدرب المنتخب الوطني، وليد الركراكي، لاستقالته من مهامه. بلاغ مقتضب أنهى إشاعة انتشرت بسرعة، وأثارت ردود فعل متباينة بين من صدّقها ومن استنكرها، دون أن يستند أي طرف إلى معطيات رسمية مفصلة.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالإشاعة في حد ذاتها، بل بالسياق الذي سمح لها بالانتشار. فالإشاعة لا تولد من فراغ، بل تجد تربتها الخصبة في الصمت، وفي غياب التواصل، وفي ترك الرأي العام الرياضي يسبح في بحر من التأويلات والتخمينات.
منذ ما بات يُعرف بـ“الأحد الأسود”، وما رافقه من هزيمة وأحداث تحكيمية وتنظيمية أثارت جدلاً واسعاً، يعيش المشهد الكروي الوطني حالة من الغموض. ملفات ما تزال مفتوحة، مسارات قانونية لم تُحسم بعد، وعقوبات وُصفت بالمجحفة، خاصة في ما يتعلق بنازلة انسحاب المنتخب السنغالي وما سبقها من لغط غذّته أطراف معروفة بعدائها الرياضي للمغرب. كل ذلك جرى دون أن تقابله الجامعة بتواصل يرقى إلى حجم الأسئلة المطروحة.
كان المنتظر، في مثل هذا الظرف، ألا تكتفي الجامعة ببلاغات مقتضبة عند كل إشاعة، بل أن تبادر إلى عقد ندوة صحفية شاملة، تُشرح فيها تفاصيل ما وقع، وتُوضح الخطوات القانونية المتخذة، ويُقدَّم فيها تقييم صريح لمسار المنتخب في البطولة، تقنياً وذهنياً وتنظيمياً.
فالجمهور المغربي لم يعد جمهوراً ساذجاً أو عاطفياً فقط، بل راكم وعياً كروياً حقيقياً. وهو يدرك جيداً أن المنتخب لم يكن مقنعاً بنسبة مائة في المائة، وأن هناك هفوات لا يمكن إنكارها: إصابات مؤثرة، غياب الانسجام في بعض الفترات، واختيارات تقنية قابلة للنقاش. الاعتراف بهذه المعطيات لا يُضعف صورة المنتخب ولا المدرب، بل يعزّز الثقة ويُسقط الذرائع التي تتغذى منها الإشاعة.
إن غياب خروج رسمي مفصّل، وحضور المدرب نفسه لشرح ما جرى ولماذا لم يتحقق التتويج، هو ما فتح الباب واسعاً أمام الأخبار الزائفة والتأويلات المغرضة. فحين تغيب المعلومة الدقيقة، تتكفل مواقع التواصل الاجتماعي بملء الفراغ، وغالباً بمنطق الإثارة لا الحقيقة.
صحيح أن التجربة علّمتنا أن بعض المسارات القانونية قد تنتهي، بعد طول انتظار، إلى نتائج لا ترقى دائماً إلى مستوى التطلعات، كما حدث في نزاعات كروية سابقة على المستوى القاري. لكن ما لا يجب أن يتحول إلى أمر مألوف هو تحويل الصمت إلى أسلوب دائم في تدبير التواصل.
فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لا تدير فقط منتخباً، بل تدير ثقة جمهور. وهذه الثقة لا تُهدر فقط بالهزائم، بل تتآكل أيضاً حين يغيب الشرح، ويطول الغموض، ويُترك المجال مفتوحاً لكل من يريد الاصطياد في الماء العكر. وإذا لم يُملأ هذا الفراغ بتواصل مسؤول ومنتظم، فإن إشاعة اليوم عن استقالة، قد تتحول غداً إلى تشكيك أعمق في المشروع ككل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.