تأخر تنفيذ أغلب الاتفاقيات الموقعة أمام الملك بين سنتي 2008/2020 وتبخر 91% من الغلاف المالي

0

الگارح ابو سالم

لماذا تتعثر السياسات العمومية في المغرب؟

ما كشفه تقرير زينب العدوي أمام البرلمان لم يكن مجرد عرض تقني لأرقام متعثرة ولا تشخيصاً إدارياً عابراً، بل كان لحظة تعرية حقيقية لمنطق خطير استقر في تدبير الشأن العام، منطق يقوم على التدشين بدل الإنجاز، وعلى الإعلان بدل التنفيذ، وعلى صناعة الوهم التنموي بدل تحقيق الأثر الحقيقي. حين يُنفَّذ أقل من عشرة في المائة من اتفاقيات تنموية وُقّعت تحت الرعاية الملكية وبغلاف مالي يفوق مئة وأربعة وثمانين مليار درهم، فإن الأمر لا يتعلق بعجز مالي ولا بإكراهات ظرفية، بل بفساد بنيوي صامت يقوم على ترك المشاريع معلقة بين النية والواقع، دون تتبع ودون محاسبة ودون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه المال العام.
الأخطر في هذه الصورة ليس فقط ضعف نسب الإنجاز، بل ذلك الفراغ القاتل الذي يلي لحظة التدشين، حيث تتحول المشاريع إلى بنايات قائمة بلا روح، ومنشآت بلا وظيفة، واستثمارات بلا أثر اجتماعي أو اقتصادي. وحين يكشف التقرير أن ما يقارب نصف المشاريع المتعثرة تعاني مشاكل على مستوى الاستغلال، فإننا نكون أمام خلل عميق في تصور الاستثمار العمومي نفسه، إذ يتم البناء دون تصور التشغيل، والإنجاز دون تحديد المسؤوليات، والصرف دون ضمان الاستدامة، في مشهد يختزل قمة الفساد في أبسط أشكاله، فساد الإهمال المقصود وغض الطرف الممنهج.
هذا الخلل لا يمكن عزله في برنامج أو قطاع بعينه، لأنه يتكرر بنفس الملامح في أغلب المبادرات الكبرى التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة. الميثاق الوطني للتربية والتكوين رُوّج له باعتباره إصلاحاً تاريخياً، ثم جاء البرنامج الاستعجالي، ثم توالت المخططات، والنتيجة تعليم يراوح مكانه، وموارد تُستنزف دون تحول نوعي. نفس المنطق انسحب على برامج الشباب والتشغيل ومجالس الاستشارة والمبادرات المقاولاتية التي أُغرقت في الخطاب والندوات والتسويق، بينما ظل أثرها على البطالة والهشاشة محدوداً إلى حد التلاشي. وحتى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تجاوز عمرها العقدين، ما تزال نتائجها دون الطموح، ليس لأن الفكرة كانت خاطئة، بل لأن التنفيذ ظل ضعيفاً وبطيئاً ومفتقراً للمواكبة الصارمة.

وغالباً ما يُساق الدستور كذريعة لتبرير هذا العجز، في حين أن الحقيقة أكثر وضوحاً وإيلاماً، فالمشكل لم يكن يوماً في النصوص بل في من يفترض فيهم تنزيلها. الدستور الأول ثم الثاني ثم دستور 2011 حملت جميعها مبادئ متقدمة، غير أن تفعيلها ظل انتقائياً ومتعثراً، وبعد أكثر من خمسة عشر سنة ما تزال مؤسسات منصوص عليها لم تر النور، ومقتضيات جوهرية لم تفعل، وكأن الدستور وثيقة للاستهلاك السياسي أكثر منه عقداً ملزماً للدولة ومؤسساتها.

زينب العدوي رئيس المجلس الأعلى للحسابات

إن طرح المشاريع دون مواكبة حقيقية ودون آليات مراقبة صارمة هو الذي فتح الباب أمام الجشع، فالمال العمومي حين يُترك دون حراسة يتحول إلى مجال مباح، والمثل الشعبي لم يكن عبثياً حين قال إن المال السائب يعلّم السرقة. هنا لا نتحدث عن فساد أفراد فقط، بل عن فساد منظومة تسمح بتبديد الزمن والموارد دون أن يُسأل أحد عن النتائج. والأخطر أن هذا السلوك لا يرتبط بحكومة دون أخرى، بل هو قاسم مشترك بين حكومات متعاقبة تعاملت مع السياسات العمومية بمنطق القطع لا الاستمرارية، وبعقلية البداية من الصفر مع كل ولاية، وكأن الدولة تُدار بمنطق الحملات لا بمنطق التراكم الاستراتيجي.
إن أخطر ما في هذا العبث ليس ضياع الميزانيات فقط، بل ضياع الثقة، وضياع الزمن التنموي، وضياع فرص كان يمكن أن تغيّر واقع مناطق بأكملها. فالمشاريع الهيكلية والسياسات القطاعية ليست ملكاً لحكومة بعينها، بل التزام دولة تجاه شعبها، وأي تعامل معها بمنطق المحو وإعادة التسويق هو استهتار بمستقبل بلد لا بمستقبل حكومة زائلة.

 

إن استحضار تقرير المجلس الأعلى للحسابات اليوم يجب أن يكون لحظة وعي جماعي بأن المغرب لا يحتاج إلى مزيد من البرامج ولا إلى شعارات جديدة، بل إلى شجاعة نقد ما أُطلق ولم يُنفذ، وإلى جرأة إيقاف المشاريع الفاشلة أو تصحيحها بدل تركها معلقة للمجهول. أما الاستمرار في سياسة التدشين ثم النسيان، والتخطيط ثم التغاضي، فهو قمة الفساد الصامت الذي لا يثير الضجيج، لكنه يستنزف البلد ببطء ويؤجل تنميته إلى أجل غير معلوم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.