الكارح ابو سالم
ما وقع ويقع في مدينة القصر الكبير ليس مجرد فيضانات عابرة، بل اختبار حقيقي لمعنى الدولة، ولمستوى المسؤولية، ولأخلاقيات التعامل مع المواطن في لحظات الشدة. فالكارثة الطبيعية، حين تضرب، لا تُغرق البيوت فقط، بل تكشف أيضاً ما هو أعمق: اختلالات في القرار، وارتباكاً في التواصل، وخللاً في فهم كرامة الإنسان.
إن الطريقة التي جرى بها التعامل مع المتضررين من هذه الفيضانات، من قبل بعض الأفراد، كانت مسيئة إلى حد كبير. فهؤلاء ليسوا موضوعاً للفرجة ولا مادة لصناعة المحتوى، بل مواطنون يؤدون واجباتهم تجاه الدولة، ومن حقهم أن يحظوا بالحماية والرعاية في زمن الخطر. إن تحويل مآسي الناس إلى صور ومقاطع تُنشر بلا ضوابط، مع إقحام عناوين أو موسيقى وطنية، لا يعكس روح التضامن بقدر ما يكرس انتهاك الخصوصية والكرامة الإنسانية.

محمد اليعقوبي والي جهة الرباط سلا القنيطرة في قلب مناطق الفيضانات
المتضررون من فيضانات القصر الكبير لا يحتاجون إلى إحسان موسمي ولا إلى شفقة مصورة، بل يحتاجون قبل كل شيء إلى دولة حاضرة. دولة توفر لهم السكن المؤقت في انتظار انفراج الأزمة، وتضمن لهم الغذاء والماء، وتحميهم من الابتذال والاستغلال، وتمنع أن يُترك المواطن في لحظة ضعفه فريسة للعدسات العابرة. ففي أوقات الكوارث، يصبح من واجب الحكومة أن تضبط الفضاء العام، وأن تحدد ما يُنشر وكيف يُنشر، حماية للناس لا مساساً بالحريات.
ورغم قتامة المشهد، لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، ورجال السلطة، الذين كانوا في الصفوف الأمامية، يقدمون الدعم والمساندة ويشتغلون تحت ضغط الخطر. التحية واجبة لهؤلاء، لأنهم أدوا واجبهم حيث كان الواجب ملحاً.
غير أن هذا الحضور الميداني يقابله غياب سياسي مقلق. فأين المسؤولون الحكوميون المعنيون؟ وأين الوزير الوصي على قطاع التجهيز والماء؟ تمر أزمة بهذا الحجم دون تواصل واضح مع المواطنين، ودون شرح أو تطمين، وكأن المسؤولية تتوقف عند حدود الصمت. هذا الغياب يثير تساؤلات مشروعة حول معنى تدبير القطاعات الحيوية، وحول جدوى المناصب إذا كان أصحابها يغيبون في لحظات المحنة ولا يظهرون إلا في مواسم الانتخابات.
لقد اتخذت السلطات المحلية إجراءات احترازية مهمة، شملت إغلاق المدينة، وتوفير وسائل النقل المجانية للمتضررين، وإخلاء الأحياء المهددة، ونقل السكان إلى مناطق آمنة، مع تحذيرات صريحة من احتمال قطع بعض الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والاتصال بالأنترنت. بل تم الحديث بوضوح عن سيناريو الإخلاء الكامل كخيار اضطراري لحماية الأرواح.

تركيب الخيام لإيواء المواطنين
ومع ذلك، ورغم خطورة الوضع، ورغم إفراغ معظم أحياء المدينة، لا يزال قانون الطوارئ والكوارث بعيداً عن التفعيل، بدعوى عدم استيفاء الشروط الزمنية المنصوص عليها. وكأن الكارثة مطالبة بالامتثال لمسطرة إدارية جامدة، أو كأن معاناة الناس لا تُحتسب إلا بعد بلوغ عدد معين من الساعات. وإذا استمر الاضطراب الجوي، فهل سننتظر اكتمال الشروط الشكلية؟ أم أن للحكومة قراءة أخرى لا يعرفها المتضررون؟
وإذا كان غياب القرار السياسي مثيراً للقلق، فإن غياب الإعلام الوطني العمومي كان أكثر إيلاماً. ففي لحظة كان يفترض أن تتحول فيها الشاشات إلى فضاء وطني للتعبئة والتضامن، بدا وكأن مدينة القصر الكبير خارج دائرة الاهتمام. مساء السبت، بينما كانت الساكنة تُرحَّل تحت وطأة الخوف وعدم اليقين، استمرت القنوات العمومية في بث برامجها الترفيهية وكأن شيئاً لم يحدث، دون مواكبة استثنائية أو تغطية ميدانية متواصلة.
كان المنتظر من إعلام يُموَّل من المال العام أن يقطع برمجته، وأن يُحدث برامج تفاعلية، وأن ينقل الوقائع لحظة بلحظة، كما حدث في وقائع وطنية سابقة تحولت فيها الشاشات إلى منبر للمعلومة والتضامن. غير أن الصمت كان سيد الموقف، وترك المواطنون يعتمدون على ما يتداول في مواقع التواصل الاجتماعي، بما تحمله من صور مبتورة وأخبار غير مؤكدة.
إن ما وقع قدر لا ريب فيه، لكن طريقة التفاعل معه تظل اختياراً. واللامبالاة، في مثل هذه اللحظات، تتحول إلى جرح إضافي في جسد الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالتضامن في زمن الكوارث ليس ترفاً، بل واجب وطني وأخلاقي.
القصر الكبير اليوم لا تحتاج إلى الشفقة ولا إلى الفرجة، بل تحتاج إلى دولة كاملة، حاضرة بقرارها، وبمسؤوليها، وبإعلامها. لأن الكوارث لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بكيفية الوقوف إلى جانب الناس حين تفيض المياه… وتفيض معها الاسئلة .
