الگارح ابو سالم
لا يمكن فهم أزمة الزعامة الحزبية في المغرب اليوم خارج سياقها التاريخي. فغياب الكاريزما السياسية، وتحوّل الصراع داخل الأحزاب إلى سباق نحو القيادة المؤدية إلى رئاسة الحكومة، ليسا ظاهرتين معزولتين، بل نتيجة مسار طويل من التحولات التي مست وظيفة الحزب، وطبيعة الزعامة، ومعنى الانتماء السياسي نفسه. لذلك فإن أي مقاربة جادة لهذا الواقع تقتضي العودة إلى البدايات الأولى، حين لم تكن الأحزاب تُعرَّف باعتبارها “سياسية” بالمعنى التقني، بل باعتبارها أحزابًا وطنية تحمل قضية كبرى.
في مرحلة ما قبل الاستقلال، تشكّلت الأحزاب في المغرب كأدوات نضال وطني ضد الاستعمار، لا كآلات انتخابية. حزب الشورى والاستقلال، بقيادة بلحسن الوزاني، لم يكن مجرد تنظيم سياسي، بل تعبيرًا عن رؤية إصلاحية وطنية تمزج بين المرجعية الفكرية والعمل السياسي. كما أن حزب الاستقلال، الذي تزعمه علال الفاسي إلى جانب قيادات أخرى، كان إطارًا جامعًا للنضال الوطني، حيث كانت الزعامة تُستمد من الشرعية التاريخية والفكرية، لا من القدرة على إدارة التوازنات.

بعد الاستقلال، دخل المغرب مرحلة جديدة اتسمت بتعقّد الأسئلة المطروحة: بناء الدولة، تحديد طبيعة النظام السياسي، وتوزيع السلطة بين المؤسسات. في هذا السياق، ظهر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كامتداد لصراع داخل الحركة الوطنية نفسها، وكان مرتبطًا بشخصيات ذات وزن سياسي وفكري، من بينها عبد الله إبراهيم، أول رئيس حكومة في المغرب المستقل. في هذه المرحلة، كانت الزعامة الحزبية مرتبطة بموقف سياسي واضح، وباختيارات كبرى، وباستعداد لتحمّل كلفة المعارضة.
في المقابل، واصل حزب الاستقلال لعب دور محوري، سواء في الحكومة أو المعارضة، مستندًا إلى رصيد تاريخي وتنظيمي، وبرزت داخله قيادات متعددة، من بينها أحمد بوستة، الذي شكّل حضوره السياسي والفكري أحد ملامح التوازن داخل الحزب، خصوصًا في النقاشات المرتبطة بالديمقراطية وبالتناوب السياسي لاحقًا. كانت الخلافات داخل الأحزاب، كما بين الأحزاب، خلافات حقيقية حول الاتجاه، لا مجرد صراعات حول المواقع.
خلال الستينيات والسبعينيات، تشكّل المشهد الحزبي في ظل صراع سياسي حاد، ما سمح باستمرار بروز زعامات ذات كاريزما، سواء داخل اليسار أو داخل الأحزاب الوطنية. في هذا السياق، برز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي انتقل من عبد الرحيم بوعبيد، كرمز للمعارضة المبدئية، إلى عبد الرحمن اليوسفي، الذي قاد لاحقًا تجربة حكومية استثنائية في إطار التناوب التوافقي. هذه المرحلة تمثل ذروة الزعامة الحزبية المرتبطة بالمشروع، حيث كان القائد السياسي نتاج مسار طويل من النضال والتأطير والمواجهة.

بموازاة ذلك، شهدت الساحة الحزبية بروز أحزاب ذات تمثيل اجتماعي مختلف، من بينها حزب الحركة الشعبية، الذي تأسس في الأصل لتمثيل البادية والعالم القروي، وقاده المحجوبي أحرضان في بداياته. هنا كانت الزعامة مرتبطة بالتمثيل الاجتماعي والقبلي أكثر من ارتباطها بالإيديولوجيا، لكنها ظلت، رغم ذلك، زعامة ذات جذور، تعكس شريحة مجتمعية واضحة.
أما الحزب الشيوعي المغربي، الذي تحوّل لاحقًا إلى حزب التقدم والاشتراكية، فقد عرف بدوره تحولات عميقة، سواء على مستوى الخطاب أو الزعامة. شخصية علي يعته مثّلت نموذجًا لزعامة فكرية صلبة، استطاعت التكيّف مع التحولات الدولية، خاصة بعد انهيار المعسكر الشرقي، دون التفريط الكامل في المرجعية الاجتماعية للحزب، وهو ما مكّنه من الاستمرار داخل المشهد السياسي المغربي، وإن بأدوار مختلفة.
مع الثمانينيات وبداية التحولات الدولية الكبرى، بدأ المشهد الحزبي المغربي يدخل مرحلة جديدة. انهيار المعسكر الاشتراكي، وصعود الليبرالية كخيار اقتصادي عالمي، أثّرا بعمق في طبيعة الأحزاب وزعاماتها. في هذا السياق، برز حزب الاتحاد الدستوري، الذي قاده المعطي بوعبيد، في ظرفية سياسية دولية وإقليمية اتسمت بإعادة ترتيب الأولويات. لم يكن الحزب امتدادًا لحركة نضالية تقليدية، بل تعبيرًا عن مرحلة جديدة، انتقل فيها الفعل السياسي من منطق الصراع الإيديولوجي إلى منطق التدبير والانسجام مع التحولات الاقتصادية العالمية.
تكرّس هذا المسار أكثر خلال التسعينيات، مع تجربة التناوب، التي مثّلت لحظة مفصلية في تاريخ الزعامة الحزبية. فبينما كانت هذه التجربة تتويجًا لمسار طويل من النضال بالنسبة لبعض الأحزاب، فإنها في الوقت نفسه دشّنت مرحلة تراجع الصراع السياسي، وبداية تحوّل الأحزاب إلى شركاء في الاستقرار أكثر منها أدوات للتغيير. هنا بدأت الزعامة تفقد بعدها الرمزي، وتتحول تدريجيًا إلى قيادة توافقية، تُقاس بقدرتها على التدبير لا على التعبئة.
مع دخول الألفية الجديدة، تعمّق هذا التحول. الأحزاب التي تجاوز عمرها عقودًا طويلة لم تعد قادرة على إنتاج زعامات جديدة بالمعنى التاريخي، بينما ظهرت أحزاب أخرى في سياقات مختلفة، من بينها حزب العدالة والتنمية، الذي شكّل استثناءً نسبيًا في البداية، بحكم اعتماده على خطاب أخلاقي وتأطيري، واستفادته من فراغ سياسي واجتماعي. غير أن تجربة المشاركة في الحكم أظهرت بدورها حدود الزعامة داخل سياق سياسي لا يسمح بتجاوز منطق التدبير.
اليوم، يعيش المشهد الحزبي المغربي مرحلة يمكن وصفها بأفول الكاريزما. الانتماء لم يعد مبنيًا على النضال أو المرجعية الفكرية، بل على المنفعة، والتموقع، وإمكانية الوصول إلى السلطة. الصراع داخل الأحزاب لم يعد حول المشروع، بل حول القيادة، لأن القيادة هي الطريق المختصر نحو الحكومة. وهكذا تحوّلت الزعامة من تعبير عن معنى سياسي إلى أداة وظيفية داخل نظام حزبي فقد الكثير من روحه.
إن تتبّع هذا المسار الكرونولوجي يُظهر أن أزمة الزعامة الحزبية في المغرب ليست أزمة أشخاص، بل أزمة تحوّل تاريخي مسّ وظيفة الأحزاب نفسها. فحين تفرغ السياسة من الصراع الفكري، وتُختزل في التدبير، تتلاشى الكاريزما، ويصبح الحزب مجرد إطار تنظيمي للمصلحة. وفي غياب مراجعة عميقة لدور الأحزاب ولعلاقتها بالمجتمع، ستظل الزعامة الحزبية سؤالًا معلقًا، وستظل السياسة، في نظر كثيرين.. يتبع

